top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

نظام الطيبات: من يملك سلطة الحديث باسم الطب؟

  • د. عبدالسلام الوايل
  • 6 days ago
  • 4 min read

Updated: 2 days ago


نظام الطيبات هو نظام حمية غذائية أطلقه طبيب تخدير يقسّم الأطعمة إلى "طيبة" و"خبيثة". أثار النظام الغذائي لغطاً كبيراً وتدخلاً من "مؤسسة" العلم، ليس بسبب محتوى حميته الغذائية، إذ هناك عدد لا يحصى من أنظمة الحمية التي لم تستدع تحركاً. إنما كان الإشكال الكبير في النظام هو موقفه من الأدوية. فصاحب نظام الطيبات يزعم أن نظامه كفيل بعلاج الأمراض المزمنة، وهو ما دفع بمرضى سكري وضغط، وغيرهما من الأمراض التي يسبب عدم تناول الدواء لها عواقب صحية خطيرة، إلى التوقف عن تناول أدويتهم.

هذا النظام أثار رد فعل حاسماً من "المؤسسة" ففي العاشر من شهر مارس لهذا العام.  شطبت نقابة الأطباء في مصر صاحب هذا النظام من سجلاتها، مؤكدة أنه خالف القواعد المهنية وقدّم معلومات علاجية مضللة وغير مثبتة علمياً، بما شكّل خطراً جسيماً على الصحة العامة، وأن نظامه الغذائي/الطبي لا يستند إلى أدلة علمية أو تجارب سريرية معتمدة. كما ألغت وزارة الصحة المصرية ترخيص مزاولة مهنة الطب الخاص بصاحب النظام، وأغلقت عيادته الطبية التي افتتحها للترويج لنظامه. وبعد نحو أربعين يوماً من هذا "الطرد"، توفي صاحب نظام الطيبات، بعمر السابعة والأربعين. مثل نظامه، مرت وفاته بحالة درامية عاصفة، فقد اختفى قبلها بأيام، الأمر الذي غذّى أطروحات مؤامراتية حول موته (شهيد العلم، قتيل شركات الأدوية) وحمل السلطات على إصدار بيانات حول موت الرجل، وأنه جراء جلطة قلبية. وشهدت منصات التواصل اهتماماً أكثر بالنظام بعد وفاة الرجل في مختلف البلدان العربية.


الجدل حول هذا النظام الغذائي في وسائل التواصل تضمّن تجارب من نوعين: مرضى يقصّون تجاربهم "الناجحة" مع النظام، وأطباء يحكون عن مباشراتهم الطبية لحالات مميتة لمرضى اتبعوا هذا النظام، تاركين أدويتهم، فكانت النتيجة حالات وفيات وأضراراً صحية خطيرة. كما تضمّن الجدل "تلاسنات" بين مؤيدي هذا النظام ومعارضيه لم تستند على العلم فقط، بل وعلى الدين أيضاً، فمعارضو نظام الطيبات يحاجّون بأن ما يمنعه هذا النظام ليس من "الخبائث".

ووجدت السلطات المصرية، وزارة الصحة، والمعهد القومي للتغذية، نفسها مدفوعة لإطلاق حملة لتوعية الناس بمخاطر هذا النظام، حملة "عيشها صح"، وتعريف الناس بأهمية الأدوية للمرضى وفوائد تناول البيض والبقوليات. تضمنت الحملة مجموعة من الفيديوهات التي تركّز على الغذاء السليم. كما انخرط كثير من الأطباء وأخصائيي التغذية في مجتمعات عربية، كالسعودية والمغرب والأردن واليمن وغيرها، في "توعية" الناس بمضار هذا النظام من جهة، وفوائد الأغذية التي يصنّفها هذا النظام من "الخبائث" من جهة أخرى.

يجب أن نلاحظ أن صاحب هذا النظام ليس تماماً من خارج المؤسسة. إنه طبيب تخدير، وهذا أعطى لمزاعمه مصداقية "علمية". كما أن الإستراتيجية المفاهيمية التي اتبعها اتكأت على ثنائيات دينية أخلاقية (طيبات-خبائث). ولا يمكن أنه لا يمكن اختصار متبعي نظامه بأنهم جهلة، فهم متباينو الحظ من التعليم والمعرفة.

يبقى السؤال قائماً: لماذا استدعى نظام الطيبات كل هذا الصراع، بينما مرت عشرات أنظمة الحمية الأخرى دون أن تستدعي شطباً من نقابة، ولا إغلاق عيادة، ولا حملة توعية وطنية؟ الإجابة تكمن في أن الخلاف لم يكن حول الغذاء بقدر ما كان حول من يملك حق الكلام في الشأن الطبي، ومتى يُعدّ الكلام "علماً" ومتى يخرج عنه. هنا يصبح مفيداً استحضار مقاربة سوسيولوجية صاغها عالم الاجتماع الأمريكي توماس جيريين.

صكّ جيريين مفهوم "العمل الحدودي" (Boundary-Work) ليفسّر كيف يُرسَم الفاصل بين "العلم" وغيره، لا كمسألة معايير ثابتة كما تصورها بوبر حين ربط العلم بقابليته للتكذيب، بل كجهد اجتماعي متجدد يمارسه العلماء أنفسهم. فالعلم بحسب جيريين ليس جوهراً ثابتاً، بل نتاج أفعال وخطابات يستخدمها العلماء لحماية مجالهم من الدين والفلسفة والسياسة والعلوم الزائفة، وهذا الجهد يتغيّر بتغيّر الخصم الذي يواجهونه.

استند جيريين إلى حالة الفيزيائي جون تندل، الذي جادل رجال الدين بأن العلم مادي تجريبي بحت لإبعاده عن الميتافيزيقا، بينما جادل المهندسين بأن العلم معرفة نظرية تعلو على التطبيق العملي. هذا التناقض في تعريف العلم بحسب الخصم يوضح، كما يرى جيريين، أن العلم ليس "إجابة الطبيعة"، بل حدود يرسمها العلماء أنفسهم لحماية استقلالهم وسلطتهم المعرفية وتمويلهم. ولاحظ جيريين أن هذا الترسيم لا يجري في المختبرات، بل في المحاكم والإعلام والكونجرس.

قدّم جيريين مفهومه هذا سنة 1983، قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي بعقود. واليوم، تجد مؤسسة العلم نفسها أمام عمل حدودي لا يتوقف، كما ظهر جلياً في جائحة كورونا وأطروحاتها الشعبوية حول أصل الفيروس والعلاجات ودوافع شركات الأدوية.

بمفهوم جيريين، ما جرى مع نظام الطيبات، من شطب صاحبه من نقابة الأطباء وإغلاق عيادته، وصولاً لحملات وزارة الصحة والمعهد القومي للتغذية وتحذيرات الأطباء في عدة السعودية والمغرب والأردن واليمن وغيرها، هو عمل حدودي متكامل: مؤسسة العلم خاضت صراعاً في وسائل التواصل لإعادة تحديد حدودها ولفظ صاحب النظام خارجها، وتبيان "تهافته" علمياً. ولافت أن "بلاغة" الخطاب العلمي في هذه المعركة لم تُتحدَّ بشكل كبير، فحتى صاحب النظام، وهو منتسب أصلاً للمؤسسة العلمية، لجأ لتسميات دينية (طيبات/خبائث) وخطاب أخلاقي لإضفاء الإقناع على مزاعمه. وتوضح جهود "العلم"، من مؤسسات وأفراد، لمواجهة هذا النظام، أن النظام وجد له متبعين فعلاً، كما تبيّن تحليلات المحتوى الإعلامي وتتبّع الاهتمام الرقمي في محركات البحث اهتماماً بالنظام في عدة بلدان عربية، تزايد بعد وفاة الرجل.

هذا الانتشار الواسع، مقابل الجهود الكبيرة للمؤسسة في "التوعية"، يضعنا أمام إشكالية "الثقة" في العلم، وهي إشكالية بحث فيها عالم اجتماعيات العلم بريان واين طويلاً، ضمن ما يمكن تسميته أزمة الثقة بالعلم. فهذه الأزمة تدفع أناساً، قد يكونون أقلية صغيرة، وهم بجملتهم متعلمون ولا تنقصهم المعرفة أو سبل البحث عنها، إلى البحث خارج العلم عن أطروحات تتحدى العلم في صميمها، كما في ترك تناول الأدوية لأصحاب أمراض مزمنة.

يبقى في جوهر هذه القصة أمر أعمق من صراع المؤسسات على حدود العلم ألا وهو عجز الإنسان أمام المرض والتآكل.

فحين يعجز العلم عن تقديم علاج شافٍ للأمراض المزمنة، كالضغط والسكري، أو للأمراض المناعية، كالذئبة الحمراء، يجد بعض المصابين بها أنفسهم مستعدين لتبنّي مقولات عن حقيقة الجسد وشفائه من خارج العلم، بل وحتى مقولات تتحدى العلم وتتعارض مع يقينياته. هذا الاستعداد هو ما فتح الباب أمام نظام الطيبات، ودفع مرضى، لترك أدويتهم تصديقاً لمزاعمه. فبين عجز العلم وعجز الجسد، تولد الحاجة إلى يقين، ولو كان زائفاً.


انتهى.

 
 
 

Recent Posts

See All
كيف تكوّن فريق الأحلام؟

بدأت في مشروع؟ أو صرت مدير؟ وتحتاج فريق يشيل الليلة وخطير! كيف تنقّيهم ووين تلاقيهم؟ تختار اللي ينسجم معك؟ ولا اللي يكمّلك؟ وألف سؤال وسؤال يراود أي شخص يدوّر فريق الأحلام.. حدد احتياجك الشخصي قبل

 
 
 
لماذا تحبني؟

"الصفات التي نحبها في الشريك لا تفسر سبب حبنا له" يقدم المقال تحليلاً فلسفياً ونفسياً عميقاً لطبيعة العلاقات العاطفية، مستنداً إلى فكرة أساسية مفادها أن الحب لا يمكن اختزاله في قائمة من المزايا أو الص

 
 
 
الشاعر الشيني

"يطير حلمٍ ماتركنا بلا ريش إما يجي وإلا نبي نطير لاجله عينٍ مثل نهر الفرات إن غزا جيش وعينٍ من الفزعة تبي تصير دجلة" وفي قصيدة أخرى يقول "أنا مستثقل وجودي لو إني في ضلوعك ريش وصلت أبعد مرابيع الوداد

 
 
 

Comments


Commenting on this post isn't available anymore. Contact the site owner for more info.
bottom of page