top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

وضعية الشايب

د. صالح بن سعد الأنصاري
Sep 30
4 min read

تحدثت ذات يوم في مجلس شبابي عن أهمية تعزيز الصحة الشخصية، وعن فكرة وسم قديم غردت فيه أسميته "وضعية الشايب"، فجاءت ردود الشباب بما يوحي بأن هذه الوضعية وللأسف منتشرة حتى بين الكثيرين ممن لا زالوا في سن الشباب وقد وصفت "وضعية الشايب" بأنها ‎"منطقة راحة يضع الإنسان فيها نفسه أو يشجعه عليها المجتمع، تشمل ضعف النشاط البدني وتناقص الاعتماد على الذات، ومحدودية مسافات المشي، وتشمل كذلك المبالغة في قبول الخدمة من الآخرين" وهذا المفهوم يتحول من مجرد وصف سلوكي إلى منطقة راحة خطرة يختارها الإنسان لنفسه، أو يدفعه إليها مجتمعه برفق مُهلك. وأقصد بوضعية الشايب حالة من الخمول البدني المتعمد، وتناقص الاعتماد على الذات، وتقليص مسافات المشي اليومية، ممتزجة بمبالغة غير مبررة في قبول خدمات الآخرين والاتكال عليهم في أدق التفاصيل اليومية.

مظاهر وضعية الشايب ومخاطرها

تتجلى هذه الوضعية بوضوح في مظاهرنا الاجتماعية، فترى الأربعيني أو الخمسيني يقبع في نزهته البرية "الكشتة" في مكان واحد مستنداً إلى أرائكه، وتحيط به أدوات الشاهي والقهوة "المعاميل" بينما يأتيه طعامه وشرابه دون أن يخطو خطوة واحدة، لتنتهي نزهته المفترضة دون أي نشاط بدني يذكر. بل إن الأمر يمتد ليشمل العبادات، حيث نرى تعجلاً لافتاً في استخدام الكراسي أثناء الصلاة لأسباب ترتبط بالخمول، ومحدودية تحريك المفاصل والتقف عن المشي لأدنى شعور بالألم، والاستسلام لزيادة الوزن، وليس بسبب وجود مرض حقيقي يمنع الحركة. وأحيانا تكون "وضعية الشايب" هذه امتدادا لاعتياد الخمول وقلة النشاط البدني من مراحل الطفولة والشباب، وامتدادا لسلوكيات من قبيل "جيبوا لي"..."وودّوني"..."قربوا لي" تنشأ من سن مبكرة.

وتكمن خطورة وضعية الشايب أنها قد تستمر بقية العمر، معرًضة الإنسان لأخطار الخمول بكل كوارثه الصحية والنفسية والاجتماعية.‎ والمتقاعدون أكثر عرضة لهذه الوضعية وبشكل يستجد مع التقاعد لأسباب نفسية واجتماعية، وفي المقابل فقد يكون التقاعد والتفرغ فرصة للتخلص من هذه الوضعية، وأقرأوا إن ‎ شئتم مقالي "المشي والهايكنج وصحة المتقاعدين" الذي أعددته مع الاستاذ أحمد الغامدي وقصة هروبه من وضعية الشايب.

 

التقاعد بين فخ العزلة وفرص التجدد البدني

من واقع اهتمامي البالغ بصحة المتقاعدين، أرى أن مرحلة التقاعد تمثل المنعطف الأخطر لتبني "وضعية الشايب". فالكثير من المتقاعدين يقعون ضحية للفراغ المفاجئ وغياب الالتزام الوظيفي اليومي، مما يسرع من وتيرة انحدارهم نحو الخمول بكل كوارثه الصحية والنفسية والاجتماعية. غير أن الرؤية الصحية الحديثة تؤكد أن التقاعد والتفرغ يجب أن يكونا فرصة ذهبية للتخلص من هذه الوضعية واستدراك ما فات من صحة ونشاط.

وفي مقالي عن قصة الأستاذ فهد الغامدي بعنوان "المشي والتجوال وصحة المتقاعدين"، استعرضنا تفاصيل قصة هروبه الملهمة من هذا الفخ. لقد أثبت تجربتة أن المتقاعد الذي يغادر جدران منزله ليخوض تجارب المشي الطويل والتجوال في الطبيعة، لا يحمي بدنه من الأمراض المزمنة فحسب، بل يكتسب مرونة نفسية وعلاقات اجتماعية متجددة تخرجه من عزلة ما بعد الوظيفة. إن المشي في سياق التقاعد ليس مجرد ترفيه، بل هو استراتيجية علاجية لمواجهة الضغوط وإعادة بناء اللياقة البدنية والذهنية.

 

المفاهيم الثقافية وإعادة تعريف الشيخوخة

وتتباين ثقافة المجتمعات في هذا الصدد. ففي بعض المجتمعات قد ينظر كبار السن إلى عرض الخدمة أو تقديم المساعدة على أنها إهانة أو اتهام بالعجز وعدم القدرة على الاعتماد على النفس. وقد يفاجأ من يقدم خدماته برفض فض أو غليظ.

ويدرك ‎الكثيرون ما كان عليه أجدادنا، ويلمسون جوانب من الاعتداد بالنفس وعدم الحاجة للآخرين. يذكر الصديق العزيز د. عبد الله القويز حفظه الله عن والده (رحمه الله) أنه وعندما تجاوز التسعين من عمره واعتراه الضعف بقي يواصل سلوكه بالاعتماد على الذات ورفض المساعدة، وكان على من يحاول مساعدته أن يتوقع ويتحمل سماع كلمة "فاردز" (فارق).

 وفي المجتمع اليمني يستغربون الحديث عن الرجل في الستين بأنه ضعيف وصحته متدهورة، فيعترضون قائلين بأن الستيني في عرفهم ‎ "قدو جاهل" أي صغير السن وقد يكون لا يزال يتنقل بسهولة مع أغنامه في الجبال، وفِي المقابل يحتفل بعض شبابنا بوضعية الشايب مع نهاية الأربعينات.

وفي تغيير مهم حول هذه الثقافة، اقترحت جمعية الشيخوخة اليابانية والمؤلفة من أطباء وأكاديميين تعديل عتبة الشيخوخة رسمياً لتصبح 75 عاماً بدلاً من 65، تماشياً مع الطفرة الحيوية والتحسن الصحي الملحوظ في المجتمع الياباني. ولكن، من وجهة نظري كمتخصص في الصحة العامة، فإن تبني مثل هذه التعريفات والتوجهات التنظيمية لن يقدم الكثير لصحة أي مجتمع إذا استمر أفراده في اعتناق الكسل والترحيب بـ "وضعية الشايب" في سن مبكرة.

 

وضعية الشايب والكلفة الاقتصادية والإنفاق الصحي

إن الانتشار المبكر لـ "وضعية الشايب" لا يمثل تراجعاً في جودة الحياة فحسب، بل يسرع من الدخول في مرحلة عمرية تُعد إحصائياً الأكثر استنزافاً للموارد المالية للشخص وللدول على حد سواء. وتؤكد البيانات الطبية والاقتصادية أن الإنسان ينفق النسبة الأكبر من إجمالي مصروفاته الصحية طوال حياته خلال هذه المرحلة المتقدمة من العمر، حيث تتركز أكثر من 50% إلى 60% من التكاليف العلاجية التراكمية للمرء في سنوات ما بعد الخمسين نتيجة تراكم الأمراض المزمنة الناجمة عن سنوات الخمول. وتشير الإحصاءات الدولية الصادرة عن منصات تتبع الأنظمة الصحية كمنظمة KFF (Kaiser Family Foundation) وهي منظمة أمريكية غير ربحية إلى أن الفئات العمرية المتقدمة مسؤولة عن 57% من إجمالي الإنفاق الصحي العام.

 

نحو مجتمع حيوي ونشط، دعوة للتغيير

تؤكد الدراسات أن جذور "وضعية الشايب" تتشكل مبكراً؛ فإذا كان نمط حياتك ونشاطك وتغذيتك غير صحية حتى سن الثلاثين، فإن احتمالية تحولك إلى هذه الوضعية تصبح أعلى بكثير. كما أن طبيعة العمل المكتبي والجلوس المطول أمام الشاشات يضاعف هذه الاحتمالات.

إن مواجهة هذا المد السلوكي تتطلب تدخلاً مؤسسياً يبدأ من توعية الأطفال بالنشاط البدني كمهارة حياة مستدامة، ونشر ثقافة المشي بشكل ممنهج في المجتمع. هذا التحول السلوكي نحو الحركة ليس مجرد خيار فردي، بل هو ضرورة وطنية واقتصادية لتخفيف العبء الثقيل عن كاهل منظومة الرعاية الصحية التي تستنزفها الأمراض المزمنة الناتجة عن الخمول. لنجعل من التقاعد بداية لرحلة استكشاف جديدة في دروب التجوال والمشي في الطبيعة، ولنكسر معاً قيد "وضعية الشايب" لنعيش أعمارنا بكامل حيويتها ونشاطها.

إن من شأن التوعية الصحية، والبدء المبكر في توعية الأطفال بالنشاط البدني مدى الحياة، ونشر ثقافة المشي والنشاط البدني وبشكل مؤسسي في المجتمع أن يحد من انتشار هذه الوضعية بين كل الفئات، وبشكل خاص بين فئة كبار السن المهددين بالأمراض المزمنة، وأن يخفف من عبء رعايتهم الصحية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، والتي لاتزال هما يشغل بال المهتمين بالصحة والتنمية.

 

ودمتم سالمين

د. صالح بن سعد الأنصاري

@SalihAlansari

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة

المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

@SaudiHPC

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page