top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

نغادر الأماكن ..ولا تغادرنا

غدير العنزي
Oct 11
2 min read

أدركت أن الإنسان كلما كبر ازداد هروبًا من ذكرياته حتى وإن كانت أمامه أشاح بنظره عنها وكأنه يخشى أن توقظ فيه شيئًا ظنّ أنه تجاوزه، أو تعيد إليه شعورًا أقنع نفسه طويلًا بأنه لم يعد يعنيه


ثمة أماكن لا تغادرنا بمجرد أن نغادرها

وأحياء نظن أننا تجاوزناها حين نرحل عنها ، لكنها تظل تحتفظ بشيء منا بشيء لا نستطيع استعادته ولا نملك القدرة على نسيانه، أن تسكن في حيّ ثم تغادره وتعود إليه بعد سنوات فتكتشف أن كل الندوب التي التأمت في داخلك تلتهب فجأة أن تمرّ من شارع كنت تعرف تفاصيله أو تقف أمام باب شهد أيامك القديمة فتشعر بأن الزمن الذي مضى لم يمضِ تمامًا وأن بعض المشاعر كانت ساكنة في أعماقك تنتظر مصادفة صغيرة لتستيقظ من جديد، ولعل أكثر ما يؤلم في العودة ليس تغيير المكان بل اكتشاف ما لم يعد موجودا فيه، قد تجد الشوارع كما تركتها والبيوت في مواضعها والأبواب التي اعتدت رؤيتها لم تتغير كثيرًا لكن الوجوه التي كانت تمنح المكان روحه غابت والأصوات التي كانت تملأ تفاصيله خفتت والألفة التي كنت تشعر بها لم تعد كما كانت



يقول الشاعر

أحسب عمار الدار يا سعود جدران

وإثري عمار الدار يا سعود أهلــها


ولعلنا لا ندرك حقيقة هذه الكلمات إلا حين نكبر وحين نفهم أن الأماكن لا تسكننا بجدرانها بل بمن شاركونا تفاصيلها وبالأيام التي عشناها بينهم وبالأحاديث العابرة التي لم نكن نعلم أنها ستصبح يومًا ذكريات نشتاق إليها.


ربما لهذا يهرب الإنسان من ذكرياته كلما تقدم به العمر

فنحن لا نخشى الذكريات دائمًا بل نخشى الشعور الذي يعيدنا إليها ونخشى أن نرى بأعيننا المسافة التي صنعها الزمن بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه


وفي النهاية قد نغادر الأحياء ونغيّر البيوت ونسلك طرقًا جديدة لكننا نظل نحمل في داخلنا أماكن لا نعرف كيف نعود إليها وأشخاصًا كلما مررنا بذكراهم اكتشفنا أن بعض الندوب لا تختفي تمامًا إنها تلتئم فحسب حتى تأتي لحظة تعيد إلينا الشعور بها.


 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page