مسؤولية كسر الصمت
من الممكن أنك وجدت نفسك في موقفٍ ما في يومٍ ما مغمورًا بشعور يدفعك إلى بدء أي حديث أو افتعال أي تصرف تنتزع به عن المكان حالة الهدوء، ذلك الهدوء المُزعج .. ومثاله السكوت المُطبق الذي يسود المجلس بعد انتهاء حوار عالي الوتيرة مفعم بالطاقة أو بعد انسحاب الصديق المشترك بين أطراف الحوار ليرد على اتصال هاتفي بمكالمة تطول ثوانيها أو في أي وضع مماثل له أحيانًا أثرٌ أشبه بما تكون عليه الحال عقب انطفاء "المكنسة الكهربائية" بعدما أن كانت لها ضوضاء تملأ المكان وبوتيرة متسقة .
ربما أن لغة جسدك حينها توحي بأنك هادئ كحال ذلك المكان ومن فيه، بينما تتسارع الأفكار في ذهنك وتتخالف في سبيل ترشيح أي جملة أو كلمة تستهل بها نقاشًا أو حتى تُشعل بها فتيل الجدال أو تبدأ أي شكل من أشكال التواصل لتُعطي اللحظات لونًا يجعلك ترتاح به من عبء المسؤولية التي حملتها على عاتقك.

سؤالي هنا هو: من الذي كلفك بهذا الواجب؟ من الذي فرض أنك أنت المعني بجودة الموقف والمسؤول عن متعة الحديث؟
حتى أنا لا أعرف من، بل أنا متأكد أنه ليس أحد من الناس، ولكن هي نزعة أصيلة فيك مرتبطة بروح مرهفة تحب الحياة أو ربما هي اليقظة العالية والحس القيادي .. والأمر هنا ليس اختياري على حد ظني.
هذه التفسيرات أزعم أنها أقل من كونها حقائق وأكثر من كونها تخمينات. ولكن لدي هنا سؤال أهم، هل شعرت حقًا بهذه المسؤولية من قبل؟
إذا قطّبت حاجبيك الآن وزممت شفتيك أو أومأت برأسك مشيرًا إلى الاستنكار، فأنت "لم" وفي الغالب "لن" تفهم هذا الشعور الذي قد يكون مر به كثيرون ممن جمعتهم بك دقائق صامتة ولحظات خالية .. نعم خالية بقدرٍ يدفعهم إلى محاولة معالجة الوضع بأسرع وقت ممكن.. دون الهروب إلى شاشة الجوال.
أنا هنا لا أنفي أي سمة جميلة مستحسنة مذكورة آنفًا عن من لم يتعرّف على هذا الشعور، ولكني في المقابل أود أن أقول لأولئك الذين اعتادوا على مراقبة وجوه الجالسين عندما يعم الصمت ويُبادرون بإضفاء الدعابة ويتأكدون من أن الجميع يفهم الحوار الدائر ويكرهون حتى تملمُل الغرباء في المساحات الصغيرة في الأماكن العامة، أن "هنالك من هو مثلكم ويفهمكم".
دعونا نتفق جميعًا على توزيع الأدوار بيننا، يستمر محاربو الصمت المقيت هؤلاء في المبادرة بمحاولة رفع حالة الحرج والارتباك عن الموقف ويحاول القسم الآخر منا قبول وتقبُّل هذه المبادرة أيًا كان شكلها طالما أنها لم تتخطَ الحدود.
أي نترك الفعل لهم ويتكرم الآخرون برد الفعل لكي نحسن التعامل مع هذه المواقف ونُقصّر مدتها. فرَدّ الفعل في هذه الحالة أؤمن أنه أسهل من ابتداء الفعل، والإتيان بأي جواب ولو كان مما يُدعى بأنه "تسليك" أيسر من ابتكار السؤال المناسب للّحظة .. وهذا كله في وقتٍ قصير، لكنه طويل في الآن ذاته.
ولكي يكتمل اتفاقنا بأفضل طريقة ممكنة، فلنتعاهد بألّا يكون كسر الصمت ذريعة للتطفل والإكثار من الأسئلة الشخصية، وهنا بالتحديد ليكن الشعار والمعيار {فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}.
وبكل تأكيد هذه ليست دعوة لاستساغة الثرثرة، فالصمت محمود ومطلوب وقيمته كالذهب مقابل فضة الكلام في أوقات، لكن التواصل الجيد في أوقات كثيرة أخرى يميزنا عن الجمادات وله فوائد لحظية وأخرى بعيدة مدى.
كما أعلم أنه لطالما كان الحديث عن الطقس وزحام الشوارع وآخر الأحداث الرياضية بمثابة "ماستر كي" في جيب من ينتمون إلى القسم الأول الذي تحدثنا عنه أو عمومًا من يشعر بأنه في ورطة مع شخص يجلس إلى جانبه في مناسبة اجتماعية ولا يعرف عنه إلا اسمه وأنه من "أقربائه من بعيد".
إلا أننا كبشر لسنا بهذه المحدودية ولدينا آفاق أكبر بكثير من التقليدية المزعجة التي تخلق حواجز لا نراها أمام التواصل الاجتماعي "الحقيقي".
وختامًا، رغم أنها فضفاضة وواسعة في معانيها، أجد أن بعض المفاهيم شروط للتحلي بالمسؤولية المتمثلة بـ "كسر الصمت" وهي المرونة واحترام الآخر والابتعاد عمّا يمسه والتميُّز في انتقاء المواضيع وتقبل اختلاف الاهتمامات واللين في الحديث والاتزان في المزاح.
شكرًا لإحساسك بهذه المسؤولية!.. وفي كل الأحوال شكرًا لوقتك في القراءة.







Comments