مجموعات المشي والثقافة الفرعية
هل رأيتم كاتباً يطلب من قرائه ومتابعيه مساعدته في إعادة كتابة أحد مقالاته؟ وهذا ما سأفعله في هذا المقال. وسأطلب من قادة ومنسوبي مجموعات المشي (موضوع هذا المقال) بأن يتواصلوا معي بالمزيد حول هذا المقال تعديلاً وإضافة. وسأتناول فيه خصوصيات مجموعات المشي ضمن ما يسمى بالثقافة الفرعية.
مفهوم الثقافة الفرعية
تتلخص فكرة "الثقافة الفرعية" في وجود مجموعة من الأشخاص يعيشون داخل ثقافة مجتمع أكبر وتنتمي إليه، إلا أن لهذه المجموعة ثقافة فرعية مميزة عن الثقافة الأم. وغالباً ما يتشابه أصحاب تلك الثقافة الفرعية في مبادئ وقيم وممارسات خاصة في حياتهم وأنماط معيشتهم. ومع أن أصحاب الثقافة الفرعية يتعايشون بشكل طبيعي مع المجتمع، إلا أن لهم ثقافة وخصائص محددة ومتماسكة. ويتكرر وجود الثقافات الفرعية في كل المجتمعات. وتطور مفهوم الثقافات الفرعية في علم الاجتماع والدراسات الثقافية، وكتبت عنه الكتب والمقالات وأجريت عليه الكثير من الأبحاث.
يعرف قاموس أكسفورد الإنجليزي الثقافة الفرعية (Subculture) ضمن الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بأنها: "مجموعة فرعية يمكن تحديدها داخل مجتمع أو مجموعة من الناس، لا سيما المجموعة التي تتميز بمعتقدات أو اهتمامات تختلف عن تلك الخاصة بالمجموعة الأكبر بالأفكار والممارسات المميزة، أو نمط الحياة لهذه المجموعة الفرعية". ووصفت سارة ثورنتون وكين جيلدر كيف يميز أصحاب الثقافات الفرعية مكانتهم وتمييز أنفسهم عن المجموعة الأم، بالرغم من استمرارهم مندمجين في الثقافة الأم.
وفي وقت مبكر وفي عام 1950م، ميز ديفيد ريسمان بين الأغلبية التي تقبل بشكل مغاير للأساليب والمعاني المقدمة تجارياً، وبين الثقافة الفرعية التي سعت بنشاط إلى أسلوب الأقلية. وفي كتابه "الثقافة الفرعية معنى الأسلوب" الذي أعده عام 1979م، تساءل ديك هيبديج عما إذا كانت الثقافة الفرعية تعادي الحياة الطبيعية أو أنها ثقافة سلبية وتنتقد المعيار المجتمعي السائد. وجادل بأن أصحاب الثقافة الفرعية يشعرون بالإهمال ويتطور لديهم الشعور بالهوية تدريجيًا.
الثقافات الفرعية في المنطقة العربية
إذا نظرنا إلى مجتمعنا العربي المعاصر، سنجد أن الثقافات الفرعية تتشكل حول اهتمامات متنوعة تتجاوز المألوف؛ ومن أبرز أمثلتها:
مجموعات الدراجين (البكايرز): التي تجمع عشاق الدراجات النارية بروابط قوية، وملابس مخصصة، وأعراف تضامنية في السفر والعمل التطوعي.
مجتمعات الألعاب الإلكترونية والأنمي (القيمرز والأوتاكو): وهي ثقافة فرعية شابة وواسعة جداً، لها مصطلحاتها، وملتقياتها، وأنماط استهلاكها الرقمي الخاص.
روابط ملاك السيارات الكلاسيكية: الذين يجمعهم شغف إحياء التراث الميكانيكي، وتبادل القطع النادرة عبر لقاءات دورية محددة.
وتعتبر مجموعات المشي والمشي في الطبيعة ثقافة فرعية ناشئة ومتسارعة النمو في مجتمعنا، وقد انتشرت هذه الثقافة مع انتشار الوعي الصحي وتكوين المئات من المجموعات التي تمارس المشي في المدن أو في الطبيعة، وتنشر نشاطاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تفكيك وتفسير خصائص مجموعات المشي
من معايشتي لتأسيس وتطور العشرات من مجموعات المشي، يمكنني وصف تميزهم بالعديد من المميزات، والتي تحمل في عمقها تفسيرات نفسية واجتماعية ملهمة:
الهوية والألقاب المبتكرة: حيث يميزون أنفسهم بصفات محددة مثل "المشاء" أو "المغامر" أو "الرحال" أو "الكابتن". ويُفسر ذلك برغبة الأفراد في بناء هوية جديدة تمنحهم شعوراً بالتقدير والتميز داخل المجموعة، وتفصلهم مؤقتاً عن أدوارهم الوظيفية أو العائلية الروتينية.
التواضع والتمازج الطبقي: تظهر في البساطة والتواضع والتواصل بلا تكلف، والشراكة في تناول أغذية وجبات مشتركة مما توفر. تعكس هذه السلوكيات الرغبة في التحرر من المظاهر والطبقية المجتمعية، حيث تصبح البيئة الطبيعية مساحة للمساواة الإنسانية الكاملة.
المسؤولية والوعي البيئي: فهم يشعرون بالمسؤولية عن نشر ثقافة المشي، ويحبون البيئة ويحافظون عليها وفق شعار "لا تترك أثراً". ويرجع ذلك إلى نمو الوعي البيئي الجماعي؛ فالمشي في الطبيعة يولد ارتباطاً عاطفياً مكثفاً بالمكان، مما يحول المحافظة عليه من واجب صارم إلى سلوك تلقائي محبب.
التنافس الإيجابي واحتواء المنضمين: برغم وجود المنافسات، إلا أنها إيجابية ينتج عنها المزيد من التآلف. وتراهم يرعون المبتدئين ويحرصون على دعمهم وتحفيزهم بالثناء على أقل إنجاز. ويُعزى ذلك إلى وجود ثقافة الاحتواء والتمكين، حيث تدرك هذه المجموعات أن التحفيز النفسي هو الوقود الأساسي لاستدامة الأعضاء الجدد وضمان استمرارهم.

استثمار ثقافة المشي في فعاليات تعزيز الصحة
إن تنظيم فعاليات لتعزيز الصحة العامة لابد أن يتجاوز الطرق التقليدية القائمة على التوجيه والنصح النظري. وهنا يبرز دور مجموعات المشي كمنصات حية وتفاعلية مهيأة للمشاركة الفورية، إذ يمكن للمؤسسات الصحية استثمار هذه البنية الاجتماعية الجاهزة عبر إشراك المجموعات في قيادة حملات التوعية الميدانية، والمساهمة في الأيام الصحية العالمية كشركاء نجاح يملكون "قوة التأثير بالأقران". إن تحويل الأنشطة الصحية إلى مبادرات مجتمعية تقودها هذه المجموعات يضمن للفعاليات عمقاً جماهيرياً، واستدامة حقيقية وباستثمار مجموعات المشي قد لا ينتهي زخم الفعاليات بانتهاء وقت الفعاليات.
أما التساؤل المشروع حول سر تميز هذه المجموعات في دعم فعاليات تعزيز الصحة ولماذا يُراهن عليها خبراء الصحة العامة دون غيرها، يكمن في قوتها الكامنة على التأثير بالأقران، فالإنسان بطبعه يميل إلى محاكاة محيطه الاجتماعي، ومجموعات المشي تصنع بيئة جاذبة تكسر حاجز الخمول الفردي بالتحفيز الجماعي والقدوة الحية. كما أنها تمتلك جاهزية تنظيمية عالية وشبكات تواصل نشطة، مما يجعلها قادرة على حشد المشاركين بكفاءة ومصداقية تتجاوز أحياناً الحملات الإعلامية التقليدية.
إن تأمل هذه الثقافة الناشئة يفتح أيضًا أمامنا آفاقاً للاستفادة الشخصية والعملية والبحث عن التوازن النفسي والاجتماعي بالانضمام لثقافة فرعية إيجابية وصحية كمجموعات المشي. فهذا قد يساعد في تخفيف ضغوط الحياة اليومية، وتوسيع شبكة العلاقات خارج الإطار التقليدي. كما يمكن استثمار طاقة المجموعات وقوة الالتزام الجماعي كأداة مساندة للتغيير ودعم الفعاليات المجتمعية وبالذات في المجال الصحي الوقائي والتخلص من الخمول، وبناء عادات صحية مستدامة يصعب تحقيقها بمفردك. كما يمكنك تبني قيم التواضع، والعمل بروح الفريق، والثناء على الإنجازات الصغيرة، ونقلها من مسارات المشي إلى بيئة عملك وعائلتك.
ودمتم سالمين.
د. صالح بن سعد الأنصاري
@SalihAlansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHP







Comments