top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

ماذا يُعلمنا " الدُب" عن تجاوز شعور الفقد

عاليا عبدالله
Oct 14
5 min read

 بدأتُ بمتابعة مسلسل “The Bear” أثناء عملي على كتابة محتوى خاص بإدارة المطاعم في العام الماضي؛ إذ كنت أبحث عن مسلسل مرتبط بهذا القطاع كطريقة غريبة أتبعها أحياناً لتحفيز الإلهام وربط الأفكار.


 ومن هنا بدأت بمتابعته، لأكتشف لاحقًا بتجاوزه لعالم الطهي والمطاعم بمسافات ضوئية؛ فمنذ حلقاته الأولى تشعر بذلك الزخم العاطفي المرتبط بالصراع العائلي والفقد المرير، وكل الفوضى التي يثيرها سوء التواصل مع العائلة، أو مع طاقم العمل ، وأحيانًا حتى مع أنفسنا.


ينطلق هذا المسلسل -الذي استمر لخمسة مواسم- من تساؤل مُلِحّ للغاية قد يلخص الكثير من المعضلات النفسية التي قد نعانيها نحن أو أحد المقربين دون أن نشعر:


ما الذي يحدث إن تجاهلنا بؤسنا الخاص وعمق الجرح الذي يسببه فقدان شخص مقرب للغاية؟

وماذا إن حاولنا تخدير ذلك البؤس وأثره في حياتنا اليومية؟



نبدأ من شخصية "كيرمي" الملقب بـ "الدُب"؛ طاهٍ شهير حائز على جوائز و الأخ الأصغر في عائلة بيرزاتو، حيث تكونت شخصيته كاستجابة نفسية تحميه من فوضى الاضطراب العائلي والإهمال العاطفي الذي نشأ فيه، بدءً من الأب الغائب وصولًا إلى والدته التي هي كالعاصفة في حياة أبنائها، وعلاقته المعقدة المتذبذبة بين الحب والكره بأخيه الأكبر "مايكل" الذي حاول إقصاءه من المطعم الخاص به رغبةً منه في حمايته من كل ما يحيط به من صعوبات مالية.


 يتضح لنا كيف يحاول "كيرمي"تجنب عائلته و يقاوم شعوره بالرفض من "مايكل" بالسفر بعيدًا للبحث عن فرص تدريبية داخل المطابخ في أشهر المطاعم الراقية الحائزة على جوائز "ميشلان"، يمضي محاولًا تبني المثالية أثناء عمله على كل طبق بدقة متناهية، والسماح لمشرفه الخاص بالتنمر عليه ومطالبته بالوصول إلى حد الكمال؛ حيث نجده يرضخ بهدوء غريب لذلك التعامل ويقبله دون أي اعتراض.


 لكنه يضطر للعودة  إلى شيكاغو بعد حدوث الصدمة الأكبر في حياته: انتحار أخيه الأكبر "مايكل" أثناء سفره.

كل هذا يحدث تغييرًا جذريًا في تطور شخصية "كيرمي".


 يبدأ "كيرمي" بإدارة مطعم أخيه المتوفى، إذ يشعر أن هذا المطعم المتخصص بشطائر اللحم الإيطالية هو امتداد مادي لوجود أخيه؛ ولهذا، وانطلاقًا من محاولة يائسة لنيل التقدير الذي لم يناله من أخيه آنذاك أو ربما اثبات شيء ما لنفسه، يبدأ بالعمل كـ رئيس للطهاة ويُدير المطعم في الوقت ذاته، ويقاوم بشتى الطرق المشكلات التي  تكاد تؤدي إلى غرق ذلك المطعم في الديون، فضلًا عن سوء التواصل بين طاقم العمل داخل المطبخ.


يحاول تخدير شعور الفقد و شبح أخيه الذي يلاحقه داخل دوامة من الحزن اليومي، ويقاوم بالعمل المتواصل بعزم لإنجاح ذلك المطعم الذي يقف على حافة السقوط؛ إذ يبدأ بالعمل لساعات طويلة للغاية فقط لإثبات جدارته، ومحاولة الهروب من التفكير في مشاعره المشبعة بالفقد المرير، والغضب، والوحدة. كما أنه يبحث عن السيطرة التامة داخل عمله بالمطبخ كـ آلية تعلمها منذ سنوات طفولته الأولى لحماية نفسه من الصراعات العائلية و العالم الفوضوي الذي يخلو من أي ثوابت.



ومن هنا تبدأ الكوارث بالظهور، حتى يوشك على الاستسلام والتوقف عن المحاولة، قبل أن تدفعه الديون المتراكمة لإغلاق مطعم أخيه وتحويله إلى مطعم راقٍ يسمى "الدب".


بعد أن يبدأ في إدارة مطعمه الجديد الذي يقع في نطاق خبرته؛ يشعر بثقة كاملة بأنه سيتفادى هذه المرة خسارة أموال عمه التي استثمرها في المطعم.


لكنّ استمراره في فرض السيطرة وعزلته عن فريقه بالطريقة التي اعتاد عليها تقوده مجددًا للفشل؛ إذ يبدأ بمحاولة التحكم بكل ما يحدث داخل المطبخ متجاهلًا تمامًا إمكانات فريق عمله، فضلًا عن رغبته في فرض معايير مستحيلة للجودة، وتجاهله التام لمشورة ابن عمه وفريقه بأهمية تحسين التواصل الداخلي وحسن الضيافة أثناء الخدمة.


يتشبث "كيرمي" بالآلية الدفاعية الوحيدة التي يعرفها لحماية نفسه، وهي فرض السيطرة، وأحياناً أخرى فقدان أعصابه والصراخ عندما لا تسير الأمور كما يرغب.

هناك مشهد مفصلي ثابت في ذاكرتي لـ "كيرمي" عندما يعلق داخل ثلاجة التبريد الضخمة؛ يبدأ أولاً بالذعر ومحاولة فتح الباب بقوة لإنهاء الخدمة، وبعد ذلك يستسلم تمامًا لكل تلك المشاعر المكبوتة، وتعاود الجروح بالظهور على السطح برفق؛ فلم تكن وفاة مايكل الجرح الوحيد فحسب، بل أعوام طويلة وطبقات متراكمة من الألم المتوارث من عائلته، الذي شكّل جهازه العصبي دائم التأهب وشعوره الغارق بانعدام المعنى، يحاول إقناع نفسه ويصرخ بصوتٍ عالٍ بأنه بخير، ولا يحتاج إلى أي تواصل بشري، وأن طبيعة عمله ونظامه الصارم هما ما يفرضان عليه تلك العزلة  



 ومنذ تلك اللحظة، يبدأ "كيرمي" بمواجهة مشاعر الفقد والصراع العائلي؛ ويحاول إعادة التواصل مع والدته ومسامحتها على كل ما فعلته، ويتقبل وفاة أخيه، ويتعلم التواصل شيئا فشيئاُ مع طاقم عمله والثقة دون الرغبة في السيطرة وحدها على مجريات الأمور، وهو الأمر الذي ينعكس بقوة على المطعم وينجح بالحصول على نجمة "ميشلان".


من الممكن أن يُعلمنا "كيرمي" أنه لا مجال لمحاولة الهرب من المشاعر المثقلة بالفقد والحزن، بل الحل يكمن في مواجهتها، وتقبلها، وفهمها، للعبور نحو السلام النفسي الذي نصبو إليه جميعاً بطبيعة الحال.




 إذن.. ما هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع شعور الفقد؟


الفقد من أقسى المشاعر الإنسانية التي يتعرض لها الإنسان بطريقة أو بأخرى وله أشكال متعددة؛ قد تفقد أحد أفراد عائلتك، أو تفقد صداقة وثيقة بشكل مفاجئ، أو تفقد وظيفتك واستقرارك المادي، أو حتى تشعر بالحزن بسبب فقدانك لحلم عملت على تحقيقه لفترة طويلة.


تأثير الفقد عميق جدًا؛ إذ تستيقظ في أحد الأيام بعد فقدان وظيفتك بشعور من الإنكار بأن هذا لا يحدث لك حقًا، بل قد تنهض في ذات توقيت العمل وتُعد قهوتك بنشاط قبل أن تدرك أنك فقدت عملك.

تبدأ بعدها مرحلة الغضب؛ تُحلل داخل عقلك و لمئات المرات كيف أن مديرك في العمل لا يُقدر كل الجهود التي بذلتها، ويعتريك غضب بشأن كل الظلم الذي تعرضت له طوال سنوات عملك.


ومن ثم تبدأ بـ المساومة، وتشرع في خلق افتراضات قد تحاول بها تغيير الواقع:


"ماذا لو أرسلت رسالة بقبولي براتب أقل؟

وماذا لو تغاضيت عن حجم الأعمال التي تُلقى عليّ دون أي ترقية؟".



وبعد أن تدرك مدى هشاشة أفكارك و ضآلتها، تسقط داخل صمتٍ مُهيب؛ تصبح حينها مغادرة السرير صباحًا عملية شاقة، وتتشابه الأيام بشكلٍ مرعب، حتى تشعر بأنك تسير في صحراء قاحلة دون أي وجهة.. حينها فقط تتأكد أنك داخل أرض الوادي المظلم الذي يُسمى "الاكتئاب".


ثم تحاول العبور عبر ذلك النفق المظلم لتصل إلى الضوء بمشقة، فتتقبل واقعك الجديد؛ تبدأ بالتحرك قليلًا، والاستيقاظ صباحًا للبحث عن فرصة جديدة، والرد على رسائل الأصدقاء لطمأنتهم، وحينها تبدأ الحياة تبدو كالحياة مجددًا


القصة السابقة هي نموذج وضعته الطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر روس فيما عُرف لاحقًا باسم "مراحل الحزن الخمس".

استندت هذه المراحل إلى دراساتها حول مشاعر المرضى الذين يواجهون أمراضًا مستعصية، ومن ثم تمّ تعميم هذا النموذج ليشمل شعور الفقد وجميع التغييرات السلبية في الحياة. وقد أشارت في كتابها الذي صدر عام 2004:




"لم يكن الهدف من نموذج" المراحل الخمس" حصر المشاعر في قوالب جاهزة، إنها ردود فعل على الفقدان يمرّ بها الكثيرون، إن حزننا فردي كحياتنا.



ومن هنا لا توجد طريقة واحدة صحيحة للتعامل مع الفقد، لأنه تجربة شخصية للغاية وتتصل بمشاعر الإنسان الأشد حميمية، كما تتصل بقوة الإنسان الداخلية ومرونته النفسية.


لهذا يصبح من الصائب ألا نساوم على مشاعر الفقد التي يتعرض لها الآخرون ونخبرهم أننا واجهنا الفقد ذاته ولم يطل تأثرنا أكثر من أسبوع؛ لأن هذا يُعد فعلاً قاسياً، وربما يتزايد معه شعور الشخص الآخر بالضعف.



كما أنّ تجربة الحزن متقلبة؛ قد نستيقظ في يوم ما وكأنّ كل هذا الحزن أصبح خلفنا، ولكن في لحظة ما ينهار ذلك السّد الزجاجي وتنهمر عواطفنا عند أدنى ذكرى تطرأ داخل مسار أفكارنا.



ومن المهم مواجهة مشاعر الفقد والاعتراف بالألم؛ فمحاولة تجنب مشاعر الحزن والفقد لا تؤدي إلا إلى إطالة أمد الحزن، كما أن الحزن غير المُعالَج قد يُسبب مضاعفات مثل الاكتئاب، والقلق، ومشاكل صحية أخرى.



وأخيراً، وكما أن الضوء لا يُعرف إلا بالظلام، فالطمأنينة لا تُدرك إلا بعد الاستغراق في الحزن. وعلينا بالثقة أن هذا الشعور سيمضي على أي حال، إذ لا يوجد حالٌ دائمٌ في هذه الحياة؛ فموسم الشتاء القارس يتلوه دائمًا ربيعٌ مزهر غايةٌ في الجمال، وما علينا سوى الإيمان الصادق بأن الربيع قادمٌ لا محالة.



-انتهى-

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page