ماذا فعلت بك الأيام؟
- ندى عبدالله
- Aug 30
- 2 min read
ماذا فعلتِ بكِ الأيام؟ لم تعطِني الخيار، أرغمتني على أيّ حال، متعجبةً: مفتاحٌ واحدٌ وبابان؟
«هاكِ مفتاحًا، وجرّبي قفلَ كلِّ باب».
أفكّر: إن أخطأتُ، سيُكسر المفتاح، ولن يبقى باب!
لكن، كعادة الأيام، تبدأ برفع الراية. تعرفني واقعةً منذ الأزل، وكعادتي أحبّ بدء النزال.
لا تزال، كما أعرفها، ممتلئةً بوجهاتٍ مجهولة، ولا أزال، كما تعرفني، غرامًا بالمشقّة.
واحد... اثنان... ثلاثة...
يا لها من ورطة!
غير أنّنا سنعيد الكرّة؛ بخطوةٍ تليها عثرة، ثم خطوةٍ تستقيم بدعوةٍ تُقنعني أن أسمح برحيل كل الأشياء التي ضاقت عليّ حينما تحين اللحظة وتدقّ ساعة الوداع، لا لأعود مجددًا طارقةً ذات الباب.
أرجوك يا الله، إن كان هذا الأحمق الذي ينام فوق كفّي سيفتح ماضيًا، فلتتعثّر قدمي مرةً أخرى، وتُكسر قبل أن أصل إلى الباب.

فهذا القلب شُغلت حجراته، وهذا العقل أحكم أفكاره، وهذه الروح غدت طيرًا بجناحين كبيرين، وكل ما في الماضي عبارة عن صندوقٍ متخشّبٍ صغير؛ لن يتّسع لهما إلا بقصّهما، وأنا لن أرضخ لأمره.
لذلك أكملت المسير على أملٍ أيضًا أن يُكسر المفتاح، ثم يسقط في بركة ماء، ثم يرتشفه خرطوم فيل، ثم يغدو سجين معدته، بدلًا من أن يحرّر قفل الباب الأخير.
فلي روحٌ لا تكفّ عن الاكتشاف وتلمّس الطريق، تنبض بالتجربة، ولا تهنأ دون المحاولة.
لكن ما إن يُفتح لي هذا الباب، سيُرى المستقبل، ويُحكم على هذه الروح بالإعدام.
فأين تكمن المتعة حينما يجد موضعَ الهدف سهمُه قبل أن تتلقّفه يداي؟
فيا أيام! يا أيام!
صنعتِ مني نسخةً لا تحبّذ رؤية غير رغباتها في المرآة، لا أن تعيد ماضيها أو تتبّع مستقبلها، كالرغبة في الشعور قبل الكلمة والفعل المأثور.
جعلتِني شخصًا يؤمن أن مشاعر الإنسان ليس لها أن تُسمّى بالضرورة.
بعد أن ضقت ذرعًا بمحاولة تسميتها، أدركت أن ما يشعر به المرء أعمق وأوسع من أن يُختزل في كلمة.
ولا بأس باستعمال الإيماءة؛ لما لها من أسلوب تعبيريّ خاصّ جدًّا، صاخبٍ وصامتٍ في آنٍ واحد، يُدرَك ويُحسّ، ويضرب الأبجدية بعرض الحائط قبل أن تُلبّي الأحرفُ النجدة.
فيا الله، هب لي دائمًا أن أرى انعكاس كل رغبةٍ خلقتها فيّ ولم يحن موعد التعرّف عليها.
هب لي أن أدرك جوهر سرائري، وجدوى رغباتي، وكيف لي أن أوفّق لرعايتها لحظة مخاضها.
ساعدني يا الله على فهمها، حتى لا تبحث خارجًا عمّن يعطيها قيمتها.
علّمني درجات سطوع ضوء كلٍّ منها، حتى لا أُدان بجُرم قتلها حرقًا أو تجميدًا.
فليشتدّ عودكِ أيتها الأيام.
فيا آه! كم سأفعل بكِ، وأفعل.







Comments