top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

قصتي مع السكري

  • د. صالح بن سعد الأنصاري
  • Aug 11
  • 3 min read

Updated: 6 days ago


أنا من عائلة "حلوة" ولها تاريخ عريق مع داء السكري وقد توفي الوالد وتوفيت الوالدة رحمهما الله بمضاعفات السكري. وبعدما أكملت الدكتوراه عام 1995 وعدت إلى المدينة المنورة حاملا شهادة الدكتوراه في طب الأسرة والمجتمع فوجئت بمشكلة إدرار وتبول ليلي متكرر، فجاءتني كل الأفكار السلبية وتخيلت كل السيناريوهات السيئة عن هذه الأعراض والإصابة بالسكري، لكن قراءة سكر الدم كانت طبيعية، فقمت بفحص تحدي الجلوكوز (GTT) فجاء طبيعيا والحمد لله. إلا أن المشكلة استمرت، وكان ذلك من أصعب ما مر علي في حياتي. وقد كنت وقتها في ال 34 من العمر، فتأثرت كثيراً وآلمني أنني قد أستقبل الحياة بهذا المرض في هذه المرحلة التي كنت أستقبل فيها فرص الحياة بعد الدكتوراه!! وقد كنت أظن وقتها أنه مرض يستمر مدى الحياة.

شاورت حينها د. زهير قزاز من أوائل السعوديين المتخصصين في "طب السكري" فقال: حالتك تسمى "السكري القبلي" او "السكري الكامن" وكان يعرف حينها أيضا بخلل تحمل الجلوكوز Impaired Glucose Tolerance، وقد يتضح السكري الكامن لديك ويصبح سكري واضح من النوع الثاني ما بين 6 أشهر إلى سنتين. وكرهت أن أتقبل هذا السيناريو.

كررت الفحوص فكانت سليمة مع استمرار مشكلة كثرة التبول. وأخذت أقرأ وأطلع كثيرا دون إجابات:

هل أنا مريض سكري حاليا؟

هل سأصاب بمرض السكري؟

وخلال كم من الزمن قد يظهر المرض؟

وقد كنت حينها موقنا بأني سأصاب به لا محالة. ثم شاورت الدكتور. يوسف باري وهو أستاذ أمريكي مسلم متخصص في طب الأسرة. وجاء الحل الذي كنت أبحث عنه. فقد سألني د. يوسف حينها: ماذا يخيفك في السكري. فقلت: المضاعفات لو تأكد التشخيص، فقال: تستطيع أن تتحكم في المضاعفات ومن الآن وتستطيع أن تؤجلها وذلك بالعمل على حماية الأعضاء التي تخاف تلفها (شرايين القلب والكليتين وشبكية العينين والأعصاب.... إلخ) وحتى لو تأكد التشخيص وذلك من خلال التخلص من الكيلوات الزائدة (وكان وزني حينها بحدود 75 كجم) ومن خلال الانتظام في النشاط البدني.

كانت لدي آنذاك خبرة محدودة في المشي سبقت هذه القصة بخمس سنوات. فقد كنت أشارك الأستاذ الدكتور زهير السباعي حفظه الله في المشي في الخبر وفي سفراتنا المتعددة خارج المملكة وتعلمت منه حب المشي، إلا أن خبرتي تلك كانت غير ناضجة وغير كافية للبناء عليها بما يكفي. أما وقد ظهر خلفي هذا "البعبع الحلو" والذي يطارد الملايين، فلم أكن أملك إلا أن أرسخ تجربتي في المشي وأتعلم أكثر عن هذه الرياضة وسلكت طريقا طويلا بعد ذلك في البحث والتجربة والاطلاع حول رياضة المشي، وصار لي فيها بون شاسع وتخصص وممارسات وخبرات وإنجازات وطنية وإقليمية وعالمية.

وبعد شهر من بداية القصة انتهت الأعراض تلقائيا بحمد الله، لكنها كانت حافزا لا يضاهيه حافز للانتظام في المشي. وكنت ولا أزال أكرر الفحوص منذ ذاك ولا تزال سليمة حتى أواخر 2025 ولله الحمد. ولقد كان ذلك "البعبع" قد لحق بأحد إخوتي الأصغر مني، وأختي الكبرى وتوفاهم الله بمضاعفات السكري من أمراض القلب رحمهما الله. كما لحق هذا المرض ببقية إخوتي وأخواتي الأصغر والأكبر مني ولا زال ممسكا بتلابيبهم، أسأل الله لهم السلامة والعافية. ولا زلت أحاول معهم بما توفر لدي من نظرة جديدة لهذا المرض واتضاح أفضل الفرص للتخلص منه أو التقليل من الاعتماد على الأدوية وخفض فرص المضاعفات من خلال ممارسات خفض الكربوهيدرات والنشويات والأغذية المصنعة والصيام المتقطع وتنظيم النوم والمشي والنشاط البدني بانتظام وغيره من أنماط الحياة الصحية اللازمة للتعافي. وكثيراً ما كنت أقول، لو كنت أعلم ما أعلمه الآن عن السكري.





حينما كانت الوالدة والوالد رحمهما الله مصابان بالسكري لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من مضاعفات وقد حدثت تلك المضاعفات تحت الإشراف الطبي التقليدي، فقد كانا رحمهما الله شديدي الالتزام بكل ما يقال لهما حول التغذية والانتظام على الأدوية، لكنه الاعتماد شبه الكامل على الأدوية.

ولو أحببت أن ألخص لكم رسالتي من هذه القصة لكان فيما ينقل عن أستاذ طب القلب الأمريكي د. كلودويل إيسليستاين الذي يقول "إذا كانت الوراثة هي التي تحشو البندقية فإن النمط المعيشي هو الذي يحرك الزناد" فملايين البشر وأنا منهم بندقيتهم محشوة ـ بالبارود والرصاص لكن الالتزام بالانتظام في المشي والصيام المتقطع وضبط النمط المعيشي ومراقبة الوزن هو بمثابة تركيب الضامن على البندقية ومنعها من الانطلاق، وبإمكان الملايين تجنبه من الأساس وتغيير أنماط الحياة بعد الإصابة به (لا قدر الله). ولا زالت قراءات مستوى السكر في الدم لدي طبيعية ولله الحمد بعد حوالي 30 عام من قصتي مع السكري.

أقول لأحبابي جميعا، إن عوامل الإصابة بالسكري موجودة لدى معظمنا وتحيط بنا وللأسف وفي يدنا سلاحان، المشي بانتظام ومراقبة الوزن من خلال الرياضة والتغذية الصحية. كما أنصح بالاطلاع على مفاهيم الصحة الأيضية والمزيد عن مشكلات العصر الحديث الغارق في تناول النشويات والأغذية المصنعة وما ترتب عليه من اضطراب الصحة الأيضية وانتشار مقاومة الإنسولين بكل أعراضها المرتبطة بطيف الأمراض المزمنة.

ختاما، قد تلخص قصتي نموذجا للتناول الوقائي والسلوكي لداء السكري من النوع الثاني، وهو ما نحتاج تفاصيله وممارساته وتطبيقاته على أرض الواقع بشكل يصنع الفرق. كما نحتاج مراجعة ما يعرفه ويمارسه الأطباء وأنظمة وسياسات التعامل مع السكري الذي تشير آخر التقديرات إلى أن الإنفاق الصحي الإجمالي في المملكة يصل إلى حوالي50 مليار ريال سنويا، ويمكن تقليصها بشكل كبير جدا. وينطبق هذا ا الاستثمار في الصحة بالتناول الوقائي والسلوكي على بقية الأمراض المزمنة في مجتمعنا الحبيب.


ودمتم سالمين.

د. صالح بن سعد الأنصاري

@SalihAlansari

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة


 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page