قدنا تعودنا «فقر الانتباه والتركيز»
قبل عدة أشهر دخلت في حرب مع الذكاء الاصطناعي لأبيّن له بأن من يحكم العالم هم البشر وإن قلّت الموارد أو كثرت إلا أننا الأقوى.
بصراحة ، أنا أرفع الراية البيضاء في هذه الحرب من وقت لآخر لأن نوت بوك إل أم يشرح لي كتاب أو ينتج بودكاست يناقش مواضيع من اختياري ، أو يلخص لي مقالة أحاول قراءتها منذ الأسبوع الماضي ولا أجد الوقت للبدء بها ، و كلود مستشاري ومساعدي المدلل «المطيع» أدربه على المشاريع والمجالات التي أعمل عليها باستمرار ويساعدني في جلسات العصف الذهني ، ودخل الآن إلى السباق إيليفن لابس. ما زالت الحرب قائمة ولا زلت أتعجب من قدرته على التطور وكفاءته العالية التي تنوعت بتنوع المجالات.
أعتقد سبب تطوره السريع…أنه لا ينتظر كلمات مثل أنت تستطيع ، وأغبى منك ووصلوا! لينجز.
التوقعات ورسم الاحتمالات في بعض الأوقات قد تكون بمثابة «نجمة» تهدي تائه في صحراء من وفرة المعلومات ، حتى وإن بدت غير مفهومة في البداية. واحتمالية تصديقها أو تكذيبها تعتمد بالدرجة الأولى على نوع المعلومات التي تقوم عليها هذه التوقعات وتستند ، والشخصية أو الجهة التي تتبناها وتعلن عنها. وبرأيي ، نشرها قبل أوانها قد يخلق ردود فعل عكسية متحيزة لما تؤمن به بعض المجتمعات. وذلك لأن الإنسان يعيش حياة غير مفهومة في أساسها ، ويفتش باستمرار عن طريقة تعينه عليها ، يفهم من خلالها معاني الزمن الذي يعيشه وما تقتضيه مصالحه ، فهو يبحث عن المعلومة التي تشعره بالاكتفاء شرط ألا تهدد بيئته ، قناعاته ، قيمه ، ثقافته ، وكل ما يتأثر به. ونتيجة لذلك ، يعمل بإصرار على أن يُوجِد المبررات والمعاني في كل ما يواجهه لكي لا يتبدد عالمه. ببساطة ، هو يعلم أنه لا يحتاج إلى معرفة كل توقع وكل احتمال جديد في زمن أصبحت فيه هذه الآراء تصدر بشكل شبه أسبوعي ، فهي إن لم تهدد عالمه بشكل صريح إلا أنها تشكك بكل ما هو حقيقي بالنسبة له. سمعنا إيلون ماسك يقول «لن يكون للمال أهمية في عام 2036» ، وعالِم آخر يقول «أن البشر لديهم أقل من 100 سنة لينتقلوا إلى كوكب آخر بسبب تأثير التغير المناخي والأوبئة والنمو السكاني» ، وفي السبعينيات وهذا موضوع مقال اليوم…توقع هربرت سايمون وهو مبتكر مفهوم «اقتصاد الانتباه» بأن وفرة المعلومات ستكون سبب في قلة الانتباه! وذكر في ورقته البحثية في عام 1971:
«في عالم غني بالمعلومات، تعني وفرة المعلومات شحًا في شيء آخر: ندرة ما تستهلكه هذه المعلومات. وما تستهلكه المعلومات هو أمر بديهي: إنها تستهلك انتباه متلقيها. وبالتالي، فإن وفرة المعلومات تخلق فقراً في الانتباه» ، عزيزي القارئ أعتقد في هذا الوقت علينا أن نبدأ بمعاملة التركيز والانتباه مثل معاملتنا لـ أرصدتنا في البنوك لا نريد أن تتبدد أو نسرف في الصرف ، ربما بهذه الطريقة نحسن الحفاظ على ما تبقى منهما. مؤخرًا صادفت تغريدات ومقالات يقول فيها البعض أن التركيز سيصبح ميزة تنافسية في المستقبل لأن الحاضر لا يبشر بالخير! فإن حجم المعلومات التي يستهلكها الفرد دون فائدة سيطرت على حياته وأفكاره وتمكنت منه بشكل كامل ، وقلة التركيز بدأت تظهر أعراضها بوضوح. والغريب أن المجتمعات أصبحت لا تبالِ بهذه المعضلة حتى إنها في مرحلة معينة تحولت إلى مادة للضحك! وكما هي الحال دائمًا «الميمز» تقود المشهد. -في مرحلة الجامعة كنت أنا وبعض الصديقات نقرأ الأخبار المعقدة من خلال الميمز لأنها تسهل المعلومة بطريقة ممتعة-

أتساءل عن السبب الذي جعل البعض يتعامل بطريقة لطيفة مع مشكلة حقيقية مثل قلة الانتباه والتركيز ، ولا أعلم لماذا أصبح البشر مستسلمين لكل ما يلقى في طريقهم من معلومات ويستقبلونها بصدر رحب لا يشكون ولا يشتمون. لو كنت أشاهد فيلم في السبعينيات وأرى البشر تحكمهم خوارزميات لتعجبت وقلت " الحمد لله إنه فيلم ". اليوم نعيش في أفضل وأسوأ الأوقات ولعل هذا الجانب هو سيئها. تعمل التطبيقات والمواقع على جذبك لها بكل الوسائل ، وتدرس وتتعلم ما يريده الفرد ويحاول من أجله سواء كانت هذه المحاولات عاطفية ، مالية ، نفسية ، أو حتى ترفيهية. هي تصمم تجربتك لتكون الأفضل فلا تستطيع مفارقتها ولا هي تفكر أن تبتعد عنك ، تعمل ليل نهار لكي تغذي عقلك بالفراغ وتأخذ وقتك بلا فائدة ، فتجد نفسك مكتفي ومقتنع بكل ما تبنيه لك وتثق به دون وعي ، لأنها باتت تعرفك أكثر من عائلتك وأصدقائك واستطاعت أن تقود انتباهك وتأخذك في رحلة لا نهاية لها تلهيك بالعالم الذي صممته من أجلك. والجدير بالذكر ، أنك تظن دائمًا أن المتحكم هو أنت وأن ما تستهلكه من معلومات هو ما اخترته ، والحقيقة أنك مجرد مصدر تبني عليه ما هو في نظرها صحيح ويستحق أن تركز عليه. قبل عدة أسابيع نشرت فيديو يتحدث عن التركيز بشكل عام وكانت التعليقات تشبه التعليق الأول " قدنا تعودنا " ، هذا التقبل وهذه المساحة التي تُعطى بلا وعي هي ما تجعل التغيير غير ممكن ، أنا أعلم أن الانتباه والتركيز في ظل هذه المشتتات صعب وقد يكون عملية معقدة ، لأن محاولاتهم في محاكاة عقل الإنسان وقوته وتوجهاته مستمرة لا تقف ، تريد أن تشكل وعيك من جهة وتقضي على تركيزك من جهة أخرى ، وتصبح داخل دوامة تعرف السبيل للخروج منها ولكن لا تطيق نفسك الخروج ، ولا ملامة عليها! فكيف لها أن توازن وتثبت وصاحبها التزاماته المالية في تطبيق ، وكتبه ومقالاته في تطبيق ، ومشاريعه وأجندتها في تطبيق آخر وهلم جرًا. هي تذكره ببعضها وإن أنكرنا ذلك.
تصوَّر أنك في المستقبل ستبدأ بالبحث عن أفراد يقدمون خدماتهم في الانتباه والتركيز نيابة عنك ، ويسوّقون لقوتهم وأكلهم للمكسرات ، وبإمكانك التعامل معهم بأسعار تدفعك لشتم كل اتجاه اتبعته وكان معاكس لما ظننته.
إن اتجاهاتنا وميولنا تتشكل من خلال هذا العالم الرقمي وهي توجهنا منه وإليه ، لغاية واحدة نعرفها أنا وأنت! قرأت اقتباس من كتاب وحي القلم وأقيس عليه ما كتبته «ينفر الإنسان من كلمات ، الاستعباد ، والضعة ، والذلة ، والبؤس ، والهم ، وأمثالها ، وينكرها ويردها ، وهو مع ذلك لا يبحث لنفسه في الحياة إلا عن معانيها» ، تأثير المواقع والمنصات وخوارزمياتها على الأجيال ليست بعيدة عن هذا الاقتباس كثيرًا ، هي تسيطر على صفاتهم وقدراتهم الذهنية والجسدية ، وفي الوقت ذاته تكسبهم الوهم والعادات السيئة ، وكل ذلك دون أي وعي أو إدراك منهم.
نصيحتي لك ، ابتعد عن التعليق الأول "قدنا تعودنا" وخذ وقتًا لنفسك لتتعرف عليها بعيدًا عن أي مشتتات ، واعلم أن ما يتحكم بوقتك ويشغل عالمك هو في الحقيقة لا يعرف إلا جزءً منك! مازلت المتحكم…على الأقل في الوقت الحالي.







Comments