فلسفة المشي
دروب الجسد ومسالك الفكر
من المسلّم به في الوعي المعاصر أن يُنظر إلى المشي مجرد وسيلة تقليدية للتنقل من مكان إلى آخر، أو بوصفه نشاطاً رياضياً يعزز الصحة البدنية ويمنح الجسد رشاقته. غير أن التأمل العميق الذي خاضه الفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ في هذا النشاط الإنساني القديم المتجدد، يدفعنا إلى إعادة قراءة المشي برؤية فلسفية مغايرة تتجاوز حدود الحركة المادية.
إن في تدبر هيئة الإنسان وهو يقطع الأرض مرتفع الرأس، ممتداً بين السماء والتراب، ويمشي على ساقين بقدرة فائقة على التوازن والإسراع مع حرية يديه لحمل ما يشاء، تجلياً لحكمة بالغة في تكوينه الإنساني الفريد. ولم تكن هذه الهيئة مجرد طاقة حركية، بل هي ميزة بنيوية وثيقة الصلة بطبيعة الوعي البشري؛ إذ تذكر المؤرخة ربيكا سولنت في كتابها "المشي وتاريخ الحضارات" أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمشي على ساقين ورأسه الأبعد ارتفاعاً عن الأرض، مستنتجة أن المشي والتفكر متلازمان بنيوياً في حياة الإنسان ككائن مفكر.

المشي في الأديان والمعتقدات الكبرى
وقد تجلت فلسفة المشي في الأديان والمعتقدات الكبرى كأداة للتطهير الروحي والارتقاء الوجداني، حيث يرتبط السير بالانعتاق من عوالم الماديات والعودة بالروح إلى بارئها. ففي المعتقد الإسلامي، يقترن السير في الأرض بالدعوة الإلهية المتكررة للتفكر والتأمل في مآلات الأمور وقراءة كتاب الحياة المفتوح، كما في قوله تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وقوله سبحانه: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ".
وتظهر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التغير العاصف في الوعي المصاحب للمشي؛ فبعد عودته مهموماً من دعوة أهل الطائف، قال: "فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب"، وهو ما يُستدل به على عمق الاستغراق الذهني والنفسي أثناء خطاه.
وفي مناسك الحج، يتجلى المشي كأحد أعظم الطقوس المقدسة اتصالاً بالتواضع والعلاقة العميقة بالأرض، حيث قال تعالى: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"، والمقصود بـ "رجالاً" هنا هم المشاة على أقدامهم.
ولا يقتصر هذا البُعد الروحي للمشي على الإسلام وحده؛ ففي المسيحية تضرب الجذور عميقاً في تقاليد الحج مشياً إلى مراكز مقدسة مثل كانتربري، وروما، والقدس. وفي البوذية، يُمارس "المشي التأملي" كطقس محوري للذهاب إلى الأماكن المقدسة بهدف تكفير الذنوب، وحل الصراعات الداخلية مع النفس ومع الآخرين، والبحث عن الصفاء والسلام الذاتي الذي يجلب الحكمة والتنوير. إن ألم المشي وتعب خطواته يربطان الإنسان بالتواضع والعدل والشعور بالآخرين، لكونه يظل ملتصقاً بأصله المتمثل في تراب الأرض.
كيف تُطبخ الأفكار في الهواء الطلق؟
إن تتبع تاريخ الفكر الإنساني يكشف أن أعظم الأفكار التي غيّرت وجه البشرية ولدت تحت وطأة الخطوات المتتابعة في الفضاء المفتوح. وقد حفلت الفلسفة الغربية بمدارس نبتت أطروحاتها في الطرقات؛ حيث عُرف أرسطو وتلاميذه بـ "المشائين" لأنهم كانوا يتداولون شؤون الحكمة تداولاً حراً وهم يمشون في أروقة اللوكليوم، لاعتقادهم أن حركة الجسد تسهل تدفق الكلام والفكر. وفي الحقبة الحديثة، تزايد تلازم المشي مع الإبداع الثقافي والسياسي، فها هو الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو يعترف في كتابه "الاعتراف" قائلاً: "أستطيع التفكير والتأمل فقط عندما أمشي، وعندما أقف يتوقف ذهني عن التفكير؛ ذهني يعمل فقط مع ساقي".
ولم يكن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أقل حماسة وتأكيداً على هذه الفلسفة الجسدية، إذ أطلق مقولته الشهيرة: "لا تُصدق أي فكرة لم تولد في الهواء الطلق أثناء التحرك بحُرية، فالجلوس هو الخطيئة الكبرى ضد الروح". ويؤكد الفيلسوف المعاصر فريدريك غرو في أطروحته حول "فلسفة المشي" أن المشاء الحقيقي بمثابة ملك يمتلك الأرض والزمن، وأن الحركة الفردية المتأنية تمنح العقل فرصة ذهبية للهروب من قوالب الهوية والضجيج الاجتماعي ليلتقي الإنسان بصفاء ذاته وطبيعة الأشياء حوله.
الهروب من سجن الحداثة الخرساني
وفي عصرنا الحديث الذي يتسم بالتسارع المفرط، يغدو المشي أداة مقاومة واعية لإبطاء إيقاع الحياة المجنون. وتشير ربيكا سولنت إلى أن العقل البشري، بطبيعته، يعمل بسرعة تماثل سرعة الساقين البالغة نحو ثلاثة أميال في الساعة، بينما تتحرك الأنماط المعاصرة بسرعة هائلة تتجاوز سرعة التفكير والتأمل الصامت.
ويؤدي التوقف عن هذا النشاط التلقائي إلى حصار الإنسان داخل بيئات خرسانية مغلقة ومحاطة بالمشتتات الرقمية والمهام المفروضة، مقارنة بالخلوة التي يتيحها السير الفردي، حيث تنتقل الأفكار بحرية وعفوية لتعبر عن اهتمامات الإنسان الحقيقية. ولعل المشهد المتكرر في السينما لشخص يذرع الغرفة جيئة وذهاباً لحل معضلة ما، يمثل دليلاً بصرياً على أن المشي محفز طبيعي للأفكار الإبداعية واستلهام الحلول. ويُروى في هذا السياق أن عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين لم يستوحِ نظريته النسبية وهو جالس خلف مكتبه الفخم الذي شعرت الرهبة حوله الوفود، بل خطرت له معالمها العميقة وهو يمارس المشي.
التخطيط الفكري والترميم البيولوجي
لعل توظيف وقت المشي يتفاوت بتفاوت غايات المشائين؛ فنجد من العلماء المعاصرين من يصنع من خطاه جدولاً منظماً للروح والعقل، فالأستاذ الدكتور زهير السباعي، مثلا الذي اعتاد المشي لمدة 45 دقيقة بعد صلاة الفجر، مقسماً وقته إلى ثلاثة مسارات: قسم لتثبيت حفظه من القرآن الكريم، وقسم للتخطيط للمشاريع المستقبلية، وقسم يترك فيه العنان لانطلاقة الخيال الحر.
ويتطابق هذا السلوك الفردي الملهم مع الحقائق العلمية والطبية الحديثة؛ إذ يثبت الطب أن النشاط الرياضي المنتظم والمشي يزيد تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، مما يرفع اليقظة والفعالية الذهنية ويسرع الاستجابة العصبية والمقدرات الحسابية ويخفف التوتر. وقد نشرت مجلة "ناتشر" (مارس 2001) دراسة وثقت تفوق الأشخاص المنتظمين في المشي في الاختبارات العقلية مقارنة بغيرهم، مظهرة أن المناطق الأمامية من الدماغ (الناصية) وهي المسؤولة عن التفكير المنطقي، والتخطيط، واتخاذ القرارات تتأثر وتتنشط بشكل مباشر بفضل الانتظام في المشي.
وبناءً على هذه الأبعاد المتكاملة، يتعين علينا إعادة تقييم المشي في تفاصيل يومنا، لا باعتباره مجرد تمرين بدني لإحراق السعرات واكتساب الرشاقة، بل كفرصة روحية وعقلية دورية لذكر الله، وممارسة التأمل، والوصول إلى الراحة النفسية، وابتكار حلول مبدعة لمشكلات الحياة المعقدة.
ميثاق الخطوة الأولى والمطلوب منك الآن؟
وبناءً على هذه الرؤية الشاملة، فإن رحلتنا مع الفلسفة لا ينبغي أن تنتهي بمجرد الإعجاب الفكري بالنصوص والمقولات، بل تتطلب من كل قارئ تحويل هذا الوعي إلى ممارسة حية تبدأ بخطوة أولى عملية واتخاذ قرار فوري وصادق بجدولة خلوة مشي يومية كبند ثابت لا يقبل التأجيل في مفكرة الحياة اليومية للمشي الفردي الحر، لا سيما في سكون الصباح الباكر أو في فضاء مفتوح متصل بالطبيعة. ويرافق هذه الخطوات المتتابعة انفصال رقمي كامل يتمثل في التخلي عن الهاتف الذكي، للتحرر التام من أسر تفاعلات الآخرين وإفساح المجال للوعي التلقائي والسكينة الداخلية. ولكي تؤتي هذه العادة ثمارها، يكتمل الطقس اليومي باستثمار وقت الخطى ذهنياً بحيث يغدو جزء من الطريق مساحة للترميم الروحي والذكر الفسيح، وتنظيم الأفكار وترتيب أولويات المشاريع المستقبلية، بينما يُترك جزء لانطلاقة الخيال الحر دون قيد أو توجيه، ليتحول المشي من مجرد حركة مادية إلى طقس روتيني راسخ يسترد به المرء السرعة الطبيعية للتفكير، ويمنح عقله فرصة الابتكار، وجسده طاقة الحيوية والنشاط.
ودمتم سالمين.
د. صالح بن سعد الأنصاري
@SalihAlansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHPC







Comments