عليكم بالنسلان المشي السريع وليس الجري

يتساءل الكثيرون عن المفاضلة بين المشي والجري، والأفضل بينهما لتحسين اللياقة وحرق الدهون ومن حيث تحسين اللياقة القلبية التنفسية؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون الجري ضاراً على المفاصل؟ وهل يغني المشي عن الجري؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.
أحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة، وأبرر فيه دعوتي المتكررة للمشي وليس الجري، وأورد أسباب تحفظي على ممارسة الجري بانتظام وآثاره السلبية. كما أحدد مواصفات المشي الذي أدعو إليه، وأحدد كذلك الظروف والحالات التي يمكن أن يكون الجري فيها مقبولاً أو أقل ضرراً. وقبل الشروع في التفاصيل أود أن أقدم الحديث عما يلي:
1) في مقالي هذا أتحدث عن الصحة والوقاية من الأمراض المزمنة في عموم المجتمع لتحسين الصحة، وليس الرياضات التي يمارسها الشباب بدوافع تنافسية.
2) أركز في حديثي عن الوقاية من الأمراض المزمنة وتعزيز الصحة بعد سن الثلاثين وهو السن الذي يزيد عنده تهديد الأمراض المزمنة وانتشارها في المجتمع.
3) بالنسبة لصغار السن والمراهقين والشباب في سن ما قبل الثلاثين، فأنا أشجعهم على ممارسة الرياضة عموماً حتى لو كان الجري هوايتهم.
4) أحاول المفاضلة بين الجري والمشي كرياضة تستمر مدى الحياة، وليس كرياضة المرتبطة بعمر معين.
الهدي النبوي في المشي السريع (النسلان)
ورد في الحديث عن مشية الرسول صلى الله عليه وسلم ما ورد عن أبي هريرة قوله (...وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث). وعن جابر رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فاجتمع إليه المشاة من أصحابه فقالوا: اشتد علينا السفر فقال: "عليكم بالنسلان، فإنه يقطع عنكم الأرض وتخفون له، قالوا فنسلنا فوجدناه أخف علينا" رواه ابن خزيمة وأو رده تحت "باب استحباب النسل في المشي عند الإعياء". والنسلان هو مقاربة الخطى مع الإسراع.
وبتأمل كون الصحابة رضي الله عنهم حين شكوا للنبي ﷺ مشقة السفر والتعب الناتجة عن المشي، وبأن الإنسان عندما يصيبه الإعياء يميل غريزياً إلى إبطاء خطواته. بينما جاء الإرشاد النبوي الحكيم باللجوء إلى "النسلان" (الإسراع بخطوات متقاربة) ولم يوجههم إلى الإبطاء في المشي أو إلى الجري. فالإبطاء في المشي يزيد بالتبعية من فترة بقاء وزن الجسم محمولاً بالكامل على ساق واحدة في كل خطوة، وهو ما يضاعف المجهود العضلي والإجهاد التراكمي على المفاصل. أما الإسراع المدروس فيقلل من زمن ارتكاز الثقل على الساق الواحدة ويمنح الجسم دفعات حركية متتالية وانسيابية، ويخفف وزن الجسم على الأرض. كما أن الإسراع يقطع المسافات بفاعلية دون تعريض المفاصل المنهكة لصدمات الارتطام العنيفة الناتجة عن وثبات الجري في الهواء. وهذا ما جعل الصحابة يجدون في هذا التوجيه النبوي الخفة عليهم وذهاب ما ألمّ بهم من تعب.
المقارنة الحيوية والميكانيكية بين المشي والجري
المشي رياضة ناعمة تصنف على أنها من الرياضات الحاملة للوزن. وعندما يمشي الإنسان فإنه يحمل وزنه على أحد الساقين من خطوة لأخرى، وفي المشي ينزل الوزن على كعب القدم ثم يتوزع على باطن القدم إلى أن يبدأ دفع الوزن بمقدمة (مشط) القدم ثم يحمل الوزن على كعب القدم في الخطوة الأخرى وهكذا. أما في الجري فتدفع مقدمة القدم وزن الجسم في الهواء ثم ينزل الإنسان بحوالي 2 – 4 أضعاف وزنه مقارنة بما يحدث في المشي. وفي الجري، يكون مشط القدم هو الذي يتلقى الارتطام على الأرض (وعظامه بالطبع أضعف من عظام كعب القدم)، مما قد يسبب الإرهاق على مشط القدم. ومن جهة أخرى فقد يسبب الارتطام بأضعاف الوزن على مفصل الكاحل والركبتين والحوض وغيرها من المفاصل، قد يسبب ضرراً على المفاصل، خصوصاً وإذا استمرت ممارسة الجري لسنوات.
المزايا الحياتية والنفسية للمشي مقابل مخاطر الجري
ويحمل المشي من المزايا ما يجعله أكثر من كونه رياضة، ففيه تنقل ونشاط وتأمل وفي أحيان أخرى هو عبادة ومن أقل ما يذكر من مزايا المشي أنه يكاد يكون الرياضة الوحيدة التي تتيح استغلال الوقت، وهذا ما لا يتيحه الجري. وقد قرأت عن فوائد المشي وأسراره أكثر من 24 كتاب، ينظر كل كتاب إلى المشي من زاوية مختلفة. ولا زلت أكتشف أسراراً جديدة عن المشي. أما الجري فقد قرأت فيه كتاباً أو كتابين ثم بدأت الأفكار تتكرر حول اللياقة والسرعة والتنافس وأنظمة الماراثون والاستعداد لها.... إلخ.
وقد يزيد الأثر السلبي للجري مع الاستمرار في ممارسته بعد سن الثلاثين أو الأربعين، خصوصاً إذا كان الوزن زائداً عن الطبيعي. ويثار جدل كبير حول إمكانية أن يؤدي الجري بانتظام لسنوات طويلة إلى الإصابة بشيخوخة أو خشونة المفاصل (Osteoarthritis) أو التعجيل بحدوثها. وقد لا يكون هذا الجدل محسوماً بين المختصين إلا أني لا أرى المخاطرة والتعرض لهذه المشكلات. كما أن الإصابات التي تحدث في الجري لا تحدث في المشي. لهذا أنصح محبي الجري بأن يمارسوه ويستمتعوا به حتى السن الذي يعتزل عنده لاعبو كرة القدم وهو في المعدل حوالي 33 عام. أما بعد هذا السن فأنصح بالمشي السريع. يضاف إلى سلبيات الجري احتمالات السقوط والالتواء والإصابات أو الاصطدام التي تحدث في الجري أكثر من المشي.يقول كايسي مايرز مؤلف كتاب "المشي، النشاط الكامل" يقول: "الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنحه لك الجري ولا يوفره المشي هو الإصابات". ويقول بعد أن مارس الجري لسنوات طويلة "لو كنت أعرف عن المشي ما أعرف عنه الآن لما جريت ميلاً واحداً" ويضيف أيضاً: "تأملت تشريح الإنسان وقرأت عن تركيبة ودرست ديناميكية جسمه أثناء المشي والجري، واستنتجت أنه "لو أننا خلقنا لنسبح لجعل لنا زعانف، ولو خلقنا لنطير لجعل لنا أجنحة ولو خلقنا للجري لخلقنا على أربعة قوائم".
وقد تتبع مايرز الجري في المخلوقات والأخرى وأورد أنه حتى المفترسات والحيوانات السريعة لا تطيل الجري وراء الفريســة لمدة دقيقــة أو أكثر بقليـل. بل حتى الحيوانات التي روضها الإنسان على الجري لا تجري كل هذه المسافات إلا بتوجيه الإنسان. ويرى أن السبب المبرر للجري السريع وهو الاستثناء للنجاة ولتصرف بسرعة خاطفة ومحددة في حالات القتال أو للحاق بالصيد خلال ثوان محدودة فقط. أما نحن فـنروض المخلوقات لسباق المسافات الطويلة، ونثقف الإنسان ونغريه بالجري مسـافة ماراثـون (42,195 متر) دون توقف.
في عام 1977م كتب "جيم فيكس" كتابه الشهير "الكامل في الجري" ذلك الكتاب الذي بيعت منه ملايين النسخ، وقيل: إنه الكتاب الذي جعل أمريكا كلها تجري، إلا أن فيكس نفسه توفي بنوبة قلبية وهو يجري على أحد الطرق الزراعية في ولاية نيوإنجلاند، وأثارت وفاته ضجة هائلة. وبعد استقرائي المتكرر لما كتب عن الجري وآثاره طويلة المدى المحتملة على القلب وارتباطه بحالات الوفاة التي تحدث في ميادين الرياضة، ظهر لي أن هذه الآثار السلبية واردة أكثر مع الاستمرار في الجري لمدد طويلة مثل ما يحدث في الجري لأربع أو خمس ساعات متواصلة وبسرعات عالية، وخصوصاً عندما يحدث دون تدريب احترافي أو إشراف متخصص أو في حال وجود مشكلة غير مشخصة.
والمشي السريع يؤدي لتحصيل جميع فوائد النشاط البدني دون الحاجة إلى الجري مع ما قد يسببه من إصابات وأخطار. يضاف إلى ذلك أن بإمكان الإنسان أن يمشي بسرعات عالية جداً (نسبياً) دون الحاجة إلى الجري وذلك بممارسة المشي السريع، حيث يمكن أن تصل السرعة إلى 10 كلم/ساعة. ومن مطالعاتي وتجربتي الشخصية فقد يكون بالإمكان الوصول إلى قرب الحد الأعلى المسموح به لضربات القلب بممارسة المشي السريع دون الحاجة إلى الجري.
في الجدول أدناه تضيف لمستوى اللياقة على حسب المدة التي يمكن فيها قطع الكيلومتر الواحد حسب الفئة العمرية (للرجال، وللنساء)

جدول في كم تقطع الكيلو مشياً
تعبر مدة قطع الكيلومتر بالدقائق والثواني بدقة عالية عن مستوى لياقتك من بين خمس مستويات. ومن خبرتي في التواصل مع محبي الجري ومن يمارسونه بانتظام (ومعظمهم من الشباب) ألاحظ أن بعضهم لم يجربوا أو لا يحبون المشي السريع، ومنهم من قال لي: أنا أتعب من المشي السريع أكثر مما يتعبني الجري، وهذه حقيقة علمية، تفسيرها أنه وحتى سرعة معينة يكون المشي السريع أكثر إجهاداً من الجري، لأن الوزن أثناء المشي يكون محمولاً على أحد الساقين طوال الوقت. أما الجري فيوفر فترات "راحة" لأجزاء من الثانية بسبب "أثر النطة" (Trotting effect)، وهذه "الراحة" لا تتوفر في المشي السريع، مما يجعله أقل قبولا عند محبي الجري والهرولة. ومن هنا أقول: بأن مؤيدي الجري لم يجربوا المشي السريع.
حدود السرعة ومعدلات قطع الكيلومتر الأسرع مشياً
يتوهم الكثيرون أن الوصول إلى مستويات متميزة من اللياقة والسرعة يتطلب حتماً الانتقال إلى الجري، إلا أن تركيبة البشر تتيح لهم المشي السريع بمعدلات زمنية مذهلة دون الحاجة للركض أو فقدان الاتصال بالأرض. فبينما يستغرق الشخص العادي حوالي 10 إلى 12 دقيقة لقطع كيلومتر واحد مشياً، فإن التدريب المنتظم على مشي القوة (Power Walking) يرفع هذه الوتيرة بأمان لتتراوح بين 7.5 إلى 9 دقائق للكيلومتر الواحد.
أما على الصعيد الاحترافي وفي منافسات "المشي السريع" (Race Walking) الأولمبية، يكسر الرياضيون النخبة كافة المعايير التقليدية، حيث يمشون بمعدل يتراوح بين 3.8 إلى 4.5 دقيقة لقطع الكيلومتر الواحد. وتتجلى هذه الكفاءة البدنية في الأرقام القياسية العالمية الصادمة، ومن أبرزها:
معدل قطع الكيلومتر في الرقم القياسي لـ 20 كم (رجال) 3 دقائق و48 ثانية لكل كيلومتر في ساعة وربع.
معدل قطع الكيلومتر في الرقم القياسي لـ 35 كم (سيدات) 4 دقائق و29 ثانية لكل كيلومتر لأكثر من ساعتين ونصف.
الأسرع على الإطلاق (ميل واحد مشياً) قطع البطل الأولمبي توم بوسورث مسافة الميل بمعدل مدهش يبلغ 3 دقائق و25 ثانية للكيلومتر الواحد (5:31 للميل)
وهذه الوتيرة العالية من المشي السريع تفوق قدرة الشخص العادي على الجري السريع.
تثبت هذه المقارنات والمعدلات الزمنية بوضوح أن المشي السريع ليس مجرد نشاط ترفيهي منخفض الشدة، بل هو منظومة حركية متكاملة قادرة على توفير أقصى درجات التحدي للياقة القلبية والتنفسية دون تعريض المفاصل والأربطة لمخاطر الصدمات العنيفة الناتجة عن الارتطام أثناء الجري.
خاتمة ودعوة للتجربة
إن الانتقال المفاجئ من المشي البطيء إلى الجري دون المرور بالمشي السريع خطأ شائع يقع فيه الكثيرون. لذا، فالدعوة قائمة لتجربة المشي السريع بانتظام كرياضة مستدامة وآمنة تستمر مدى الحياة، وتحقق الالتزام بالوصية النبوية الحكيمة "عليكم بالنسلان"
ودمتم سالمين.
د. صالح بن سعد الأنصاري
@SalihAlansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHPC







Comments