top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

عالم يُصاغ لفرد واحد

  • عاصم هنداوي
  • Aug 11
  • 6 min read

Updated: 6 days ago




كيف يتوقف كل واحد منا عن رؤية ذات العالم 

كان الإعلان يُكتب ويُصوَّر ويُنتَج، ثم يُوجَّه إلى الجمهور الأرجح استجابةً له، فيصل إليك جاهزًا قبل أن تعرف أنه صُنع من أجلك. وحتى أكثر أنظمة الاستهداف تدخّلًا لم تكن تفعل أكثر من الاختيار من مخزون محدود من الرسائل المُعَدّة سلفًا. هذا التسلسل، الذي بدا ثابتًا لعقود، بدأ يتفكك الآن. 

فقد نُشر حديثًا على منصة يزيد عدد مستخدميها النشطين يوميًا على 400 مليون مستخدم، نظامٌ لا يختار مقطعًا إعلانيًا موجودًا مسبقًا ليطابقه مع المشاهد، بل يستدل على اهتماماته، ثم يولّد الفيديو خصيصًا له، ثم يتعلم من استجابته لتوليد ما يليه. وهكذا قد يُصنع الإعلان لشخص واحد فقط، من دون أن يظهر مرة أخرى بالصيغة نفسها لأي شخص آخر.

ولكي نفهم لماذا يُعدّ هذا تحولًا لا مجرد تطور تقني، لا بد من التمييز بين مفهومين قد يبدوان مترادفين:


التخصيص التقليدي، والتخصيص التوليدي

 في التخصيص التقليدي، تكون كل الرسائل الممكنة موجودة سلفًا؛ والنظام يقوم فقط باختيار الأنسب منها لكل شخص، تمامًا كموظف مبيعات يملك عشرة عروض جاهزة ويختار منها ما يناسب الزبون الذي أمامه. أما في التخصيص التوليدي، فلا وجود لعروض جاهزة من الأساس؛ النظام "يؤلّف" العرض نفسه لحظة الطلب، اعتمادًا على ما استنتجه عن هذا الشخص تحديدًا، ثم يعدّله في المرة القادمة بناءً على كيفية تفاعله معه. الفرق إذن ليس في الدقة، بل في موقع القرار: من "أي رسالة جاهزة تصل إلى فلان؟" إلى "ما الرسالة التي ينبغي أن تُخترع من أجل فلان تحديدًا؟". 

وهذا بالضبط ما حدث مع الإعلان الذي وصلته من تلك المنصة: لم يُخترْ لك من قائمة، بل صيغ من أجلك أنت وحدك. 

لسنوات طويلة، ظل هذا التخصيص التقليدي يعمل من خارج الرسالة نفسها: تعلّمت محركات البحث ومنصات التواصل أي قصة أو صورة موجودة مسبقًا هي الأقدر على شد انتباه كل شخص، فكانت تختار وتُرتّب من بين ما هو موجود بالفعل، دون أن تغيّر محتوى الرسالة ذاته. أما التخصيص التوليدي، كما رأينا في مثال الإعلان، فينقل عملية التخصيص إلى داخل الرسالة نفسها. لم يعد الأمر متعلقًا بما يصل إلينا فحسب، بل بالهيئة التي يُقدَّم بها العالم من أساسه.

من هنا يتضح حجم النقلة: في السابق كان يُسأل: أي نسخة جاهزة ينبغي أن تصل إلى هذا الشخص؟ أما اليوم فقد صار السؤال المطروح: أي نسخة ينبغي أن تُصنع له أصلًا؟ وهذا التحول في طبيعة السؤال هو ما يجعل المقارنة مع تاريخ الإعلام أوسع من مجرد الحديث عن تقنية جديدة. 


فالصحافة والسينما والتلفزيون لم تكن يومًا نافذة شفافة على الواقع؛ فقد أسهمت دائمًا في تشكيل الشروط التي تجعل الأحداث مرئية وقابلة للفهم، عبر اختيار الزاوية والتوقيت والتفاصيل التي تُروى. وذهب المفكر الفرنسي جان بودريار أبعد من ذلك في مفهومه عن "المحاكاة": فكرته أن الوسائط لا تكتفي بنقل صورة عن واقع قائم مسبقًا، بل قد تبدأ في إنتاج "واقع" خاص بها، حتى تصبح الصورة أو الخريطة هي التي تُنتج إحساسنا بالأرض، لا العكس. والتخصيص التوليدي لا يخترع هذا الوضع من جديد، لكنه يوسّع نطاقه إلى حدّ أن يصبح بالإمكان رسم خريطة مستقلة كهذه لكل شخص على حدة، لا خريطة واحدة للجميع.


وقد يظن القارئ أن هذا مجرد تعدد جديد في وجهات النظر، شبيه بما عرفته البشرية دائمًا؛ فالناس أصلًا عاشوا العالم على نحو غير متكافئ منذ الأزل، تفصل بينهم اللغة والجغرافيا والطبقة وموازين القوة. لكن الفارق هنا أعمق من ذلك: الجديد هو ظهور نظام قادر على أن يبني حول كل مستخدم بيئة مختلفة من التمثيلات، ثم يعدّلها باستمرار بحسب استجابته لها — وهو ما لم يكن ممكنًا تقنيًا من قبل. 

ولا يحتاج الواقع، في ظل هذا النظام، إلى أن يُستبدل حتى يتغير معناه: فقد تبقى الوقائع نفسها صحيحة، لكن ترتيبها هو ما يتغير. يتقدم سبب إلى الواجهة فيما يتراجع آخر إلى الهامش، ويختفي قدر من الشك كان من شأنه أن يغيّر فهمنا للقضية بالكامل. لا حاجة لاختلاق شيء إذن؛ يكفي أن يُعاد الترتيب كي تقودنا الرواية إلى وجهة مختلفة تمامًا. وهذا ما يجعل تتبع أثر هذا التخصيص أصعب من تتبع الكذب المباشر: لا يوجد هنا ما يمكن تكذيبه، بل فقط ما أُعيد ترتيبه.

ويمكن ملاحظة الملامح الأولى لهذا المنطق في مجال آخر غير الإعلانات: أنظمة الإجابة عن الأسئلة المخصّصة. فقد طوّر باحثون أنظمة تبني ملفًا للمستخدم من أسئلته السابقة، ثم تستعين بهذا الملف في صياغة إجاباته اللاحقة، وذلك بغاية معقولة في ظاهرها: فلا ينبغي للمتخصص والمبتدئ أن يتلقيا الشرح نفسه.

غير أن الشرح، كما يتضح، لا يتعلق بدرجة الصعوبة وحدها؛ فكل إجابة تحدد أيضًا من أين يبدأ الموضوع وما الذي يستحق أن يُعرف فيه أصلًا. وحين يستطيع النظام تكييف الشرح مع الشخص الذي يسأل، فإنه يصبح قادرًا أيضًا على تكييف المسار الذي يصير الموضوع عبره مفهومًا. النتيجة أن شخصين قد يتلقيان إجابتين متماسكتين يمكن الدفاع عن صحة كل منهما على حدة، لكنهما تنطلقان من تاريخين مختلفين تمامًا ومن افتراضات مختلفة عن العالم — وهو نفس المنطق الذي رأيناه في مثال الإعلان، لكن هذه المرة في حقل المعرفة لا التسويق.

وإذا كان هذا صحيحًا في شرح المفاهيم، فإن الرهان يصبح أخطر حين ننتقل إلى مجال الإقناع السياسي. ففي دراسة شملت 8587 مشاركًا، ولّد نموذج GPT-4 رسائل سياسية في الزمن الفعلي مستعينًا ببيانات ديموغرافية وسياسية عن كل متلقٍ. والمثير للانتباه أن هذه الرسائل المخصّصة لم تتفوق على أقوى الرسائل العامة، وهو قيد مهم يكبح التصورات التي تفترض قدرة كاملة على "الاستهداف السياسي الدقيق" (وهو مصطلح يشير إلى توجيه رسائل سياسية مختلفة لكل فئة أو فرد بناءً على بياناته). ومع ذلك، أثبتت التجربة أن الخطاب السياسي المفصّل لكل فرد يمكن بالفعل إنتاجه على نحو غير علني وعلى نطاق واسع؛ وهنا تتضح الرهانات السياسية لهذا التحول أكثر ما تتضح.

ولأن هذا الخطاب يُصاغ بشكل غير علني، فإنه يغيّر أيضًا مسألة المساءلة: أي القدرة على محاسبة جهة ما بناءً على ما قالته فعلًا. فيمكن تسجيل خطاب أُلقي علنًا، كما يمكن أرشفة إعلان ومواجهة صاحبه بما قاله فيه. أما حين تُصاغ الرسالة في اللحظة نفسها التي تصل فيها إلى متلقيها، فقد لا يعود هناك تصريح ثابت يستطيع الجمهور فحصه أو الرجوع إليه. ويمكن، أيضًا، توجيه أشخاص مختلفين نحو الخلاصة نفسها عبر حجج مختلفة تمامًا، صُممت كل واحدة منها وفق ما يعتقد النظام أنه يعرفه عن متلقيها تحديدًا. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد تقتصر على كشف الكذبة، بل امتدت إلى إثبات ما قيل لكل شخص بصورة مختلفة أصلًا.


وإذا كان هذا المنطق يعمل في الكلمات والصور، فإنه يمتد الآن إلى الإدراك الحسي المباشر أيضًا: نظارات جوجل الذكية المرتقبة صُممت لكي ترى وتسمع من موقع مرتديها بالضبط، وتتذكر ما يهمه، وتضع المعلومات أمام عينيه في اللحظة المناسبة. يمكنها ترجمة محادثة جارية أو إرشاده داخل مدينة غريبة عنه، لكن الجهاز نفسه الذي يعرف أين يقف المستخدم وما يفضله يشارك أيضًا، وبالقدر ذاته، في تقرير أي طبقة من طبقات المدينة تستحق أن تظهر له تحديدًا.

فقد يقف شخصان في الشارع نفسه تمامًا، فيما يتلقى كل منهما نسخة مختلفة تمامًا من معنى ذلك المكان. يظل المكان المادي مشتركًا بينهما، لكن الواجهة المعلوماتية التي يُقرأ من خلالها هذا المكان تبدأ بالتباعد شيئًا فشيئًا.

وهذا يقودنا إلى مفهوم مألوف أكثر، هو فقاعة الترشيح (filter bubble) — أي البيئة الرقمية المغلقة التي تعرض على كل شخص محتوى يتوافق مع ميوله فقط، حتى يظن أن ما يراه هو الصورة الكاملة للعالم. لكن التخصيص التوليدي يتجاوز حتى هذا المفهوم المألوف: فقاعة الترشيح كانت تفصل فقط بين ما يراه الناس من بين أشياء موجودة أصلًا؛ أما التخصيص التوليدي فيذهب أبعد من ذلك، إذ يستطيع أن يغيّر الشيء الذي يُرى نفسه. فحتى حين نظن أننا نناقش الحدث ذاته بالضبط، ربما تكون النسخة التي دخلت النقاش قد صيغت بصورة منفصلة تمامًا لكل واحد منا.

ورغم كل هذا، لم يوجد قط واقع نقي ومشترك ينتظرنا خلف الإعلام، كما لم يوجد يومًا جمهور موحّد بالكامل؛ وليس المقصود هنا الحنين إلى براءة لم تكن موجودة أصلًا. لكن يمكن تأويل القانون بطرق مختلفة لأن هناك نصًا واحدًا يمكن الرجوع إليه دائمًا، ويمكن الطعن في ادعاء علني لأنه قابل للتكرار والفحص من الجميع. فالمرجع المشترك لا يضمن الحقيقة، لكنه يمنح الخلاف موضعًا واحدًا يعود إليه على الأقل — وهذا بالضبط ما ظل الخلاف العام يعتمد عليه حتى الآن.

وحين تُصاغ كل نسخة على حدة، كما رأينا في كل الأمثلة السابقة، يصبح العثور على ذلك الموضع المشترك أصعب بكثير. صحيح أن الناس سيستمرون في تصديق أشياء مختلفة كما كانوا دائمًا، لكن المشكلة الأعمق أنهم قد يعجزون عن إثبات ما الذي وصل إلى كل منهم بصورة مختلفة منذ البداية أصلًا.


ويكمن سبب هذه الصعوبة في حلقة تعمل بصمت داخل المنظومة كلها: يولّد النظام نسخة من العالم انطلاقًا مما يعتقد أن الشخص عليه، فيستجيب الشخص لتلك النسخة، ثم تتحول استجابته نفسها إلى دليل يُستخدم في إنتاج النسخة التالية له. وهكذا لا يكتشف التخصيص ذاتًا ثابتة كانت تنتظر أن تُفهم، بل يستطيع أن يرسّخ قراءته الخاصة للمستخدم، ثم يعيدها إليه في صورة بيئة كاملة تحيط به. يتعلم النظام ما نفضله، وفي الوقت نفسه يشارك هو نفسه في تشكيل الظروف التي تتكوّن فيها هذه التفضيلات أصلًا.


وهكذا يصير الشخص أكثر انكشافًا للآلة شيئًا فشيئًا، فيما يصير دور الآلة في إنتاج عالمه هو نفسه أقل انكشافًا له.

فما العمل إذن؟ قد تحتاج المعلومات ذات التبعات الكبرى إلى نسخة علنية واحدة قابلة للفحص، حتى حين تتداول إلى جانبها نسخ مخصّصة متعددة. وقد ينبغي أرشفة الرسائل السياسية المولَّدة تمامًا كما تُؤرشف الرسائل التقليدية. كما يحتاج المستخدم إلى معرفة أكثر من مجرد أن الإجابة التي وصلته قد خُصصت له؛ يحتاج أن يعرف كيف غيّرت الصورة التي كوّنها النظام عنه ما تلقاه فعليًا. من هنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي لهذا التحول.

ومع ذلك، سيظل العالم ماديًا، وستظل عواقبه مشتركة مهما تغيرت الروايات عنه: فالحرب لا تصبح أقل واقعية لأنها رُويت بطرق مختلفة، ولا يصبح الانهيار الاقتصادي شأنًا خاصًا لأن كل شخص تلقى تفسيرًا منفصلًا له. 

الواقع، إذن، لن يختفي.


لكن ما قد يختفي فعلًا هو ذلك المجال المشترك الذي تصبح عبره العواقب قابلة للإدراك العام. وقد نستمر، رغم كل شيء، في العيش داخل عالم واحد ماديًا، بينما نفقد شيئًا فشيئًا الوسائل التي كانت تتيح لنا أن نرى أننا نعيش فيه معًا.


 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page