top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

طارق وسارة وكيف أحيا المشي حياتهما الزوجية قصة متخيلة

  • د. صالح بن سعد الأنصاري
  • Aug 10
  • 7 min read

Updated: 7 days ago


كان طارق يعيش داخل آلة زمنية مغلقة ضبط عقاربها العمل. وكان يظن أن رجلاً مثله تتقاسم يومه الوظيفة الرسمية ومشاركاته التطوعية لا يبقي له مجالاً للاعتناء بنفسه وبالآخرين أكثر من ذلك. لكن الحقيقة كانت تكمن في خمول جسدي ونفسي وروتين يغلفه رماد السكون، فمن مقعد السيارة إلى كرسي المكتب، وصولاً إلى الأريكة ليلاً للاستسلام لكسل الشاشات.

ومع الغرق في العمل كان طارق يعاني من احتياج غامض ومبهم وشعور دائم بنقص ما لا يدرك كنهه. وكان يسأل نفسه: "أنا أتحرك طوال اليوم وأنجز الكثير، فلماذا جسدي بهذا الثقل، وماذا أفعل أكثر من ذلك لخدمة من حولي والمجتمع؟"

في الضفة الأخرى من البيت، كانت زوجته سارة تختنق ببطء في عزلة، وتحولت مشاعرها عبر السنين من المودة إلى إحباط وخذلان متراكم. فقد كانت تشعر أنها مجرد تفصيل هامشي في جدول أعمال طارق الحافل. وفي لحظات كانت تشتكي له بدموع محبوسة وعتب مرير: "أنا لا أطلب مستحيلاً!... أحتاج لأن تلتفت لي كإنسانة... وأنا لست مجموعة إجابات مؤجلة، ألا أستحق نصف ساعة من يومك؟" غير أن طارق المثقل بحساباته كان يرى شكواها كـ "طلبات غير منطقية" وإلحاح لا مبرر له ومتذرعاً بأنه يعمل لأجلها ولأجل أسرته لا غير، وتبريره المقنع "لا أجد وقتاً أكثر من ذلك".


مشاوير البداية بلا أفق

هب إعصار لم يكن متوقعاً عندما أظهرت الفحوصات الطبية إشارات أولية لإصابة طارق بمرض السكري، وتزامن ذلك مع البحث عن حل لوضعه الأسري وشكاوى سارة، فطلب استشارة اجتماعية. وفي الاستشارة أضاف المستشار اقتراحاً بالمشي نصف ساعة، وركز على أن يصطحب طارق زوجته لتمارس المشي معه يومياً لإنقاذ عائلته وصحته، وليتقوى بطاقة أفضل في إنجاز أعماله، ولتحسين صحة زوجته ورشاقتها هي أيضاً.

في الأيام الأولى، بدت الفكرة لطارق كعقوبة جسدية شاقة فكانت البداية باهتة. فقد كانا يمشيان معاً في المضمار الممتد دون أفق وبلا هدف واضح. وكان طارق يسير وعيناه تلاحقان عقارب ساعته بقلق متذمر، ومستثقلاً الرصيف وشاعراً بعبثية الخطوات التي تقتطع وقتاً ثميناً من مشاريعه. وسارة هي الأخرى كانت تمشي بخطوات مترددة متوجسة، ويلفهما صمت حذر وجدار سميك من العتب المكتوم على غرابة هذه الفكرة في حياتهما وتوقيتها، وكأن مضمار المشي كان مجرد ساحة فرضتها مشكلة زوجها الصحية وأملها في أن تتحسن حياتهما بهذه التجربة الجديدة.


تهديد الانتكاس

لم يكن التغيير سهلاً، إذ سرعان ما تعرضت التجربة الوليدة لانتكاسات كادت تعيدهما إلى نقطة الصفر. ففي الأسبوع الأول، داهمت المدينة موجة حر فوجدها طارق فرصة لوصف الجو وتبرير العودة إلى كسل الأريكة. وفي الأسبوع الذي تلاه، تعرض طارق لضغط مفاجئ لإنهاء مشروع تطوعي عاجل، فعاد إلى المنزل متوتراً وأعلن بصوت حاسم "لدي أولويات تهم مستقبلي، والمشي مجرد رفاهية لا أملك ترفها الآن!". كانت تلك الكلمات ثقيلة على سارة وكأن الروتين القديم انتصر مجدداً، وظلت التجربة معلقة على حافة الفشل لعدة أيام ساد فيها جفاء لم يتحدثا عنه، لكن إصرار سارة وما حركته فيها المشاوير القليلة من تحسن أعادها وطارق إلى المضمار، ومع العودة بدأت المعجزة تتجلى. فتدريجياً، تحول المشي من عبء إلى متنفس ومصدر لإذابة الجليد بينهما، ووجدت سارة في المشي في الأفق المفتوح مساحة آمنة للحديث والفضفضة دون خوف أو ضغط حول الأسرة والأبناء واحتياجات البيت المؤجلة. وطارق بدوره تحرر من شعور "المحاصرة" بين جدران البيت، فصار يستمع لها مرتاحاً لعدم النظر في وجهها والتأثر بتعبيراتها ودون أن يشعر بأن من المطلوب منه الاستجابة لما تطرحه، فالوقت وقت مشي وتغيير جو المنزل، وليس وقتاً ليتخندق كل منهما وراء تبريراته. ومع مرور الوقت أصبح النقاش والاستماع المتبادل أساساً للتفكير في الحلول. ولم يمضِ وقت طويل حتى صارا يزيدان مدة المشي برغبة أكبر. وأصبحت النصف ساعة تتمدد شيئاً فشيئاً وتصبح أكثر متعة. وأصبح التوافق بينهما على الخروج توافقاً يومياً على المضي للأمام وكان يشعرهما بالأمان حتى قبل بدء المشوار.

الأجمل أن التحسن لم يقف عند تراجع مؤشرات السكري عند طارق أو نفسية سارة وقوامها، بل تحسن نومهما وتخلصا من الأرق وصار الاستسلام للنوم يحدث بمجرد ملامسة الوسادة. كما زاد الشعور بالهدوء وانخفاض التوتر الذي كان يصيب طارق وتنعكس على تعامله اليومي، وحل محلها سلام داخلي وخفة ملحوظة.


حديث المضامير المورقة

مع دخول الشهر الثالث، اختارا ممشى جديداً ليكون مسرحاً لخطواتهما، وكان الممشى يمتد بمحاذاة أشجار البونسيانا، وتحيط به أعمدة إنارة خافتة تضفي على المكان هدوءاً وسكينة، بينما كانت النسمات المسائية الخفيفة تكسر رطوبة النهار. وفي أحد تلك المشاوير، خفتت سرعة خطوات طارق قليلاً، ونظر إلى سارة بجانبه بهدوء، ثم كسر الصمت قائلاً بصوت هادئ لم تعهده منه منذ سنوات، وقال: "سارة.. أعتذر إن كنتُ قد جعلتكِ تشعرين أنكِ على هامش حياتي. المشي باستمرار معاً جعلني أرى الأمور بوضوح لم أكن أملكه وأنا خلف مكتبي". توقفت سارة لثانية ونظرت إلى ممر المشاة الممتد أمامها، ثم أكملت سيرها وهي تتنفس بعمق وكأن كلماته أزاحت حملاً ثقيلاً عن صدرها، وقالت: "لم أكن أريد قصوراً ولا هدايا ثمينة. كان يكفيني أن أشعر بأنك تحس بي وتراني، وأن أنطلق في الحديث وأنت تسمعني، وأن يتسع جزء من تفكيرك لي بعيداً عن مشاريعك. جدران الصمت في البيت كانت تقتلني". فأومأ طارق برأسه، ولأول مرة لم يتحجج بضيق الوقت، بل قال: "أعلم ذلك الآن.. الحركة هنا تجعل عقلي يتنفس. أخبريني، ما الذي يشغل بالكِ أيضاً؟"


تفكيك العقد (مشاكل الأبناء)

فتحت دعوة طارق الباب لسارة لتبوح بمخاوف كانت تؤرقها في الأشهر الماضية، والتي لم تجد الوقت الكافي لعرضها عليه. بدأت تسرد بهدوء مشكلتين تخصان الأبناء: عزلة الابن الأكبر خالد (15 عاماً) وتكرار انسحابه إلى غرفته وقضاء ساعات طويلة مع الألعاب الإلكترونية، وتراجع درجاته التحصيلية، وهو ما كان طارق يمر عليه مروراً معتبراً أنه "مرحلة مراهقة عادية". وفي مشوار آخر انتقلا إلى عناد واضطراب نورة (8 سنوات) وكيف أصبحت شديدة العناد وتكرار نوبات بكاء في المدرسة، وكيف شعرت المرشدة هناك أن الطفلة تفتقد وجود أبيها في المنزل وكأنها تلفت الانتباه بأي طريقة.

بينما كانا يقطعان الكيلومتر الثالث حول المضمار، لم ينفعل طارق كعادته ولم يلقِ باللوم على سارة. بدلاً من ذلك، تشاركا في إجراءات حقيقية، فالتزم طارق بقطع ساعة كاملة نهاية كل أسبوع ليخرج فيها مع خالد، واتفقا على تقليص ساعات الأجهزة في المنزل وتخصيص حلقة نقاش عائلية مصغرة تعيد الدفء لروح البيت. وعندما عادا إلى المنزل تلك الليلة، كانا يشعران بخفة لم يعهداها من قبل؛ فالخطوات على الرصيف لم تخفض سكر الأب فقط، بل خفضت العتب والجفاء، ومهدت الطريق لعودة الاستقرار الأسري عند الأم إلى مجراه الصحيح.

صحة وتناغم أسري

انعكس هذا الرضا والاتساق بينهما على الأبناء مباشرة، فقد خفت المشاحنات، وحل استقرار نفسي عام ومرح أسري غاب عن جدران المنزل لسنوات طويلة. حينها فقط تواصل مع طبيبه مذهولاً وعلامات الفرح تلف صوته قائلاً: "هل أنت ساحر؟ إضافة إلى تحسن المؤشرات الطبية، علاقتي مع زوجتي الآن أفضل بكثير فالمشي عالج مشكلة أسرية وليس صحية فقط".

مرت سنة

مضى عامٌ على الخطوات الأولى ودارت الفصول وتبدلت الأجواء، وجفت أوراق البونسيانا ثم أزهرت من جديد في ممر الحديقة العامة، لكن روتين طارق وسارة لم يتبدل. فقد صار المشي طقسهما المقدس ولحظات تُضبط عليها ساعة البيت الحقيقية.

في إحدى أمسيات الخريف، توقف طارق فجأة وجلس على كرسي يتأمل المشهد ونظر إلى سارة، فلم تعد تلك المرأة الواجمة التي تلاحق خطاه بعتب صامت بل صارت تمشي بجانبه بخطوات واثقة وقوام ممشوق ووجه تملؤه نضارة الرضا، وصارت تحدثه برضا عن تفاصيل يومها. والتفت طارق باتجاه بيتهما من بعيد وكأنه يرى خالد يجلس في الصالة يساعد شقيقته الصغرى نورة في واجبها المدرسي، وكأنه يرى عزلة المراهق وعناد الطفلة قد تلاشت، وصار الصغيران يجدان أوقاتاً أسرية للحوار والإنصات العميق.

في إحدى الأمسيات وقبل وقت الخروج للمشي اهتز هاتف طارق في جيبه. وكان بريداً إلكترونياً عاجلاً يطلب اجتماعاً طارئاً، فلم يرتعد ولم يلغِ المشي، فالعالم لن ينتهي بدونه. ونظر إلى الشاشة بهدوء وألغى التنبيه وأعاد الهاتف إلى جيبه دون تردد. فقد تراجعت المشاعر الضاغطة وتغيرت الفلسفة تجاه العمل بالكامل. وأدرك أن كثيراً من إدمانه للعمل كان مجرد قناع لإنتاجية وهمية وهروباً من مواجهة اختلاط مشاعره بمسؤولياته. وأن العمل الرسمي والتطوع يمكن أن يستمر ولكن ضمن أولويات معينة، وأن دوره في بيته وأسرته لا يعوض وأن باستمرار الوتيرة السابقة قد ينهار السقف فوق الجميع. وأدرك أيضاً أن هناك حياة أجمل ليعيشها مع من يحب.

أما لو سألتموني، ما التغير الذي كان يحدث في عقلية ونفسية طارق وسارة وعن تراكم آثار مشاوير المشي، فإليكم التفسير:

انعدام المواجهة

إن انعدام المواجهة البصرية في المشي جنباً إلى جنب يلغي التواصل البصري المستمر والمحاصرة المهددة، ويعطي الدماغ إشارة أمان تخفض دفاعات طارق وسارة، ويسمح للكلمات بالخروج بانسياب وبشعور أقل بالتهديد. فعندما يجلس الزوجان وجهاً لوجه في المنزل ينشط في الدماغ "مركز رصد التهديدات" الذي يتركز في اللوزة الدماغية (Amygdala) ويجعل النقد وكأنه هجوم ترتفع معه الرقابة ورد الفعل والدفاع.

تعاون فصي الدماغ

ومن مبادلة حركة القدمين اليمين ثم اليسار أثناء المشي ينشط فصا الدماغ الأيمن والأيسر بشكل متناوب ومحفز للتواصل بين الفص العاطفي والآخر العقلاني، وهذا الإيقاع الرتيب يهدهد المشاعر ويعالج الأفكار العالقة، مما يفسر كيف تلاشت رغبة سارة في اللوم وحلت محلها الرغبة في الفضفضة الهادئة. أما التوازن بين الكورتيزول (هرمون التوتر) والدوبامين (هرمون السعادة) أثناء المشي فقد كان يهدئهما ويدعم ذوبان الجليد بينهما.

تروية وتنشيط الدماغ

مع تدفق الدم والأكسجين إلى القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن الحكمة وحل المشكلات والتحكم بالعواطف بفعل هرمون الإندورفين (مسكن الألم ومحسن المزاج) فهذا المزيج الكيميائي هدأ التوتر العصبي لدى طارق، فلم يعد يستقبل كلام سارة كـعبء، بل كـقائد للتفكير الهادئ وابتكار الحلول.

إبطاء إيقاع الحياة

أما التعلق بالمشي المشترك اليومي وبالحديث في مساحة مفتوحة والتعرض المشترك للطبيعة، فكلها عوامل هدأت إيقاع حياة طارق، وأعادت بناء الثقة والروابط العاطفية القديمة التي كان يربكها الإيقاع السريع وملاحقة احتياجات الحياة بلا توقف، كما نظم توحيد إيقاع الخطوات والسرعة بينهما بما يتطلب محاذاة جسديهما، هذا التوحيد كان يترجم في الدماغ بشعور الفريق الواحد لمواجهة الحياة. ويضاف لذلك دعم المشي المنتظم لجودة النوم وتحفيز إفراز هرمون الميلاتونين (هرمون النوم) بانتظام وفي وقته الطبيعي بمجرد الخلود إلى السرير.

هرمونات الحب

وهناك تحول أعمق في علاقتهما لا ينبغي إخفاؤه جاء بفضل هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الحب) فلم تكن معجزة المشي تنتهي بمجرد التوقف عن ملامسة الرصيف، بل كانت تشعل تفاعلاً كيميائياً ممتداً إلى تفاصيل حياتهما الزوجية الحميمية. فالانتقال من "حالة الطوارئ" إلى "حالة الأمان" وزيادة نشاط الجهاز العصبي نظير الودي (Parasympathetic) المسؤول عن التهدئة والارتخاء النفسي والعضلي، وعن تغيير نبرة الصوت ولغة الجسد والاسترخاء والابتسامة التلقائية مما يمهد لتجديد ربيع الجسد والاتصال العميق.

وتظهر النتيجة الأجمل لتلك "الكيمياء الممتدة" من خلال معادلة إزالة "الضوضاء الذهنية" فمشوارهما المسائي استهلك الأدرينالين الزائد لدى طارق ويسمح لذهنه بالحضور، وبتأثير الفضفضة الآمنة على الرصيف يتدفق الحديث الطويل لسارة ويمدها بالأمان والتقدير والارتياح. فلم يعد اللقاء مجرد "واجب زوجي" بل صار امتداداً للتناغم العاطفي الذي يبدأ على الرصيف. كما رفع الانتظام في المشي "التستوستيرون" عند طارق وحسن من كفاءة الدورة الدموية ومرونة الأوعية الدموية وكفاءة الرئتين وحسن طاقته الشبابية. وبعد الوقت الممتع يأتي هرمون "الميلاتونين" بكفاءة غير مسبوقة ليستسلم طارق وسارة لنوم عميق يتداخل فيه إيقاع أنفاسهما كما تداخلت خطواتهما على الرصيف قبل ساعات.


ختاماً

في حياة طارق وسارة الزوجية لم يكن المشي مجرد تمرين لحرق السعرات أو خفض السكري، بل كان إعادة هندسة شاملة لحياتهما، بدأت بخطوات على المضمار وأزهرت دفئاً واستقراراً يلف بيتهما بسلام لم يعرفاه من قبل.

ودمتم سالمين.


فكرة ومراجعة د. حميد بن خليل الشايجي

أستاذ علم الاجتماع المشارك والمستشار الاجتماعي

د. صالح بن سعد الأنصاري

@SalihAlansari

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة

المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

@SaudiHPC

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page