شكرًا لعدم
- سعود الحجي
- 6 days ago
- 2 min read
Updated: 4 days ago
إنه لمن النبل أن نختار"عدم" فعل أمرٍ ما في كثير من الأحيان، حتى في أبسط الأمور وأدقّها، وهذا ما لن نُشكر عليه، بل لن يُرى غالبًا.
فكيف يعلم ذلك الذي عثر في مشيه وكاد أن يسقط أمامك في مكانٍ عام أنك شُحت بناظرك بعيدًا عنه عمدًا لئلا تكون سببًا في إحراجه ومضى بطمأنينة أنه لم ينتبه له أحد، فالظاهر هنا أنك لم تفعل شيء، ومن يُخبر ابن أختك الصغير الذي ظن أنه أتقن التخفي عنك وقت دخولك المكان أنك ترى نصف جسده النحيل خلف الكرسي الكبير بينما تنادي باسمه متظاهرًا بأنك تبحث عنه وتستعد لافتعال أنك متفاجئ بمفاجأته، وكيف يعرف زميلك في العمل الذي يكبرك سنًّا ويُقحم في حديثه كلمات بلغة أجنبية تتقنها أنت أنك اخترت "عدم" تصحيح لفظه البدائي واستخدامه الركيك وانتقائه الخاطىء للكلمات.
أما الجالسون معك مساءً فمن منهم على علم ٍ بأنك تعمدت "عدم" مقاطعة حديث أحدهم، والذي تعرف تفاصيل تفاصيله وحيثياته وأكثر ولكنك لم تفصح عن معرفتك بها قط، بل وكيف يدري صاحب المعلومة الخاصة جدًا التي انكشفت لك صدفة ً دون أن يعلم هو عن ذلك، أنك تعمدت "عدم" إظهار معرفتك بها ونويت طيّها مدى الدهر، وكأنك لم تفعل.
هذه الأمثلة التي تنضوي تحت "عدم الفعل" أو "فعل العدم" ، أشباهها كثير وأصلها السمو البالغ في كل ما يتسم بتجنُّب الضغط على الآخرين ورفع الحرج عنهم وحفظ كرامتهم باختيارٍ محض مع القدرة على العكس، في الفيزياء، ينص قانون نيوتن الثالث على أن لكل فعل رد فعل، بل وحتى خارج سياق المادة الملموسة كل فعل ينبغي أن تكون له نتيجة، مثل الكلام والتعبير والنظرات ونبرة الصوت، ولكن ماذا لو لم يكن هناك فعل أصلًا؟ وهل لهذا العدم صدى؟
ربما لا ولكن الأرجح هو أن الأنفس الكبيرة ذات المروءة والحس العالي لا تتطلّع لمثل هذا في تعاملها مع المواقف التي تدق جرس إنسانيتها قبل كل شيء آخر، فهي تلبي رافعة شعار الضمير الحي دائمًا بالوقوف عند نقطة ما قبل الفعل بحصافة تامة، حيث تلك المنطقة الدافئة -وربما الفاترة- البعيدة عن الأنظار وعن استجداء المديح والشكر.
وختامًا، باسمي أنا أقول: شكرًا على هذا العدم.








Comments