top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

ستة وعشرون … وشيء من الضياع

هلا
Oct 4
3 min read

ستة وعشرون … وشيء من الضياع

اليوم ليس اليوم الأول

الذي بدأت أشتاق فيه إلى بدايات عشريناتي؛ إلى قلق الوصول، إلى اللهفة التي كانت تجعل للأيام وزنًا، وللوقت معنى، وللغد شيئًا يستحق أن يُنتظر. كنت منشغلة عن الحياة لأنها كانت مليئة بما أريد أن أفعله، لا لأنني كنت أهرب منها.


اليوم ليس اليوم الأول

الذي أشعر فيه أنني أصغر من المكان الذي أقف فيه، وأبعد من الحياة التي كنت أظن أنني سأعيشها، الذي أشعر أنني قليلة بينهم، لا لأنهم سبقوني، بل لأنني لا أعرف أين أضع نفسي بينهم. وتائهة بين أشياء كثيرة لا تشبهني، وحائرة أمام شعور لا أملك له اسمًا واضحًا؛ شيء بين الخيبة والفراغ، وبين الرغبة في التقدم والعجز عن معرفة إلى أين.


اليوم ليس اليوم الأول

الذي تسبقني فيه دمعة لا أعرف من أين جاءت، فأتركها تمرّ لأنني لم أعد أملك طاقة مقاومتها. أشعر أحيانًا أنني لا أعيش شعوري بقدر ما أُساق إليه؛ يومًا يجرّ يومًا، وفكرة تفتح بابًا لفكرة، حتى أجد نفسي في مكان لم أختر الوصول إليه.


اليوم ليس اليوم الأول

الذي أخاف فيه من الغد، لا لأنني أخشى ما يحمله، بل لأنني أخشى ألا يحمل شيئًا. أخشى أن يأتي يوم آخر مطابقًا لهذا اليوم؛ بنفس الثقل، بنفس الفتور، بنفس الشعور الذي لا يؤلم بما يكفي كي أصرخ، ولا يهدأ بما يكفي كي أنساه.


أخاف من أن تصبح الحياة شيئًا أعتاده بدل أن أعيشه.

أن تمر السنوات دون أن أشعر أنها مرّت بي، وأن ألتفت يومًا فأكتشف أنني كنت أؤجل نفسي إلى إشعار آخر.


أفتقد النسخة التي كانت تملك رغبة حقيقية في الوصول، حتى وإن لم تكن تعرف إلى أين. كانت تملك شيئًا يشبه اليقين؛ يقينًا ساذجًا لكنه كان يكفيها لتكمل. أما الآن فأعرف أكثر، وأشك أكثر، وأحسب خطواتي أكثر، حتى صار كل طريق يبدو كأنه احتمال آخر للضياع.


ولعل أكثر ما يؤلمني أنني لا أفتقد إنجازًا بعينه، ولا عمرًا بعينه، ولا حتى حياة بعينها.

أقول "هذا اليوم كان يستحق أن أعيشه".


لأنني أفتقد الشعور الذي كان يجعلني أريد شيئًا.


أفتقد أن يكون في داخلي شيء يطرق الباب باستمرار، شيء لا يرضى بالسكون، شيء يجعلني أستيقظ وفي صدري موعد مع الحياة.


أما الآن، فأشعر كأنني أقف أمام أيامي وأراقبها تعبر واحدةً تلو الأخرى، دون أن أعرف كيف أمد يدي إليها.



لا أريد أن أعود إلى الوراء.

لكنني أيضًا لا أريد أن أواصل التقدم بهذه الطريقة؛ بلا رغبة، بلا دهشة، وبلا شيء يجعلني أفكر ماذا لو أنني لم أعد أحتاج أن أعرف شكل الغد حتى أؤمن بأنه قد يكون مختلفًا؟ ماذا لو أن هذه الفترة ليست إعلانًا عن انطفائي، بل المساحة التي أتعلم فيها كيف أضيء نفسي بطريقة جديدة؟


ربما لم تختفِ رغبتي في الحياة، ربما دفنتها كثرة ما انتظرت، وكثرة ما قارنت، وكثرة ما ظننت أنني يجب أن أكونه، وربما ما أبحث عنه ليس تلك الفتاة التي كنتها بل شيء أعمق منها؛ نسخة لا تحتاج أن تركض طوال الوقت حتى تشعر أنها تتقدم، ولا تحتاج أن تصل قبل الآخرين حتى تشعر أنها بخير.


ربما عليّ أن أتوقف عن سؤال نفسي "متى سأعود كما كنت؟"

وأن أبدأ بسؤال آخر "ماذا يمكن أن أصبح الآن؟"


لن أنتظر أن يعود الشغف كاملًا كي أبدأ؛ لأنني سأبدأ وأتحرك ولو ببطء، وسأسمح لنفسي أن أبدأ من جديد دون أن أطلب منها أن تكون مستعدة تمامًا، فالحياة لا تحتاج مني دائمًا أن أعرف الطريق؛ أحيانًا يكفي أن أرفض أن أبقى في المكان نفسه.


وربما الغد الذي أخشاه الآن لن يكون مختلفًا لأن الحياة قررت أن تنقذني، سأترك للغد احتمال أن يفاجئني، سأفسح للأيام فرصة أن تحمل شيئًا لم أره بعد، وسأدع لنفسي فرصة أن تتغير، حتى لو لم أفهم بعد إلى ماذا.


فربما لم ينتهِ ذلك الشعور الذي أشتاق إليه، ربما هو فقط يتخذ شكلًا مختلفًا. وربما هذه ليست نهاية شغفي بالحياة، بل بداية علاقتي بها من جديد.

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page