top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

بين المنشور و التغريدة

  • عبدالله الحامد
  • Aug 2
  • 5 min read

Updated: 6 days ago

رحلة الروح من صخب المنصات إلى سكينة الذات


بين "المنشور" و"التغريدة".. لم يكن انتقالنا من فضاء (الفيس بوك) إلى أروقة (إكس) مجرد تبديلٍ لوسيلة اتصال، بل هو في حقيقته انتقالٌ من "ثقافة الثرثرة الأسرية" إلى "ثقافة الشذرة المركزّة". والحقيقة أن الإنسان المعاصر، الذي أرمضه ضجيج المتأخرين، أصبح يبحث عن معلومةٍ لا يزيد وزنها عن مائتي حرف، تماماً كما كان يفتش المحققون عن "أطراف الأحاديث" في بطون الأوراق المنسية لئلا يثقل كاهلهم بما لا ينفع. إنه ذات البحث عن الجوهر الذي جسده نابليون بونابرت؛ فحين اشتدت عليه المعارك، طلب من مستشاريه أن يلخصوا له التقارير اليومية في سطرٍ واحد لا يتجاوزه، فقال له أحد مستشاريه: "سيدي، هذا مستحيل!" فردّ نابليون بهدوء: "ما لا يمكن قوله في سطر، غالباً لا يستحق القراءة". لقد آمنّا أخيراً بذكاء التكثيف، مقتدين بما يُروى عن إرنست هيمنغواي حين راهن أصدقاءه في مقهى نيويوركي أنه قادرٌ على كتابة قصة كاملة في ستة كلمات فقط؛ دفع كل واحد دولاراً، ثم كتب على المنديل: "For sale: Baby shoes, never worn." (للبيع: حذاء طفل، لم يُستخدم قط)، فأخرست هذه الكلمات الجميع، وأخذ هيمنغواي الرهان. هذه هي البلاغة التي تفتك بالحشو، تماماً كما فعل الشاعر الياباني "باشو" حين سُئل عن سرّ شهرته فقال: "كتبت ألف قصيدة لأصل إلى سبعة عشر مقطعاً"، وحين عاد أحد تلاميذه بقصيدة طويلة يفتخر بها، قال له باشو: "الآن احذف نصفها"، فحذف التلميذ، فقال: "الآن احذف نصف الباقي"، استمر ذلك حتى بقيت ثلاثة أسطر فقال باشو: "الآن وُلدت قصيدك".


ذكر أحد المهتمين برصد "المزاج الرقمي" - وهو من الذين يدققون في تحولات الوعي الجمعي - أن (الفيس بوك) أصبح يشبه "المجالس العامة" التي تكتظ بغير أهلها، ففررنا إلى (إكس تويتر سابقاً) طلباً لـ "المثاقفة" السريعة و"وحي اللحظة الحاضرة". وهناك وجدنا عوالم تشبه مجالس حمد الجاسر وعبد الكريم الجهيمان، حيث المعلومة الجميلة والجواب المختصر. وهذا الفرار ليس جديداً؛ فقد كان أحد العلماء يعقد مجلسه في تونس لطلاب العلم، وذاع صيته حتى اكتظّ المجلس بمن لا علاقة له بالمعرفة، وذات يوم جلس بجانبه رجلٌ يلعق أصابعه بعد وجبةٍ خفيفة ويُعلق على كل كلمة بـ"آه والله" دون أن يفهم شيئاً، فقال العالم لمرافقه همساً: "حين يكثر هذا الصنف في المجلس، فقد آن أوان الرحيل إلى مجلسٍ آخر"، وفي اليوم التالي نقل مجلسه إلى بيته، وجعله بدعوة خاصة فقط. إنه نفس الشعور الذي دفع أدباء فيينا لهجر مقهى "كافيه سنترال"؛ ففي مطلع القرن العشرين كان المقهى ملاذاً لكبار الأدباء والمفكرين كـ"فرويد" و"تروتسكي" و"كافكا"، ولما بدأ السياح يتوافدون عليه بكاميراتهم ومعهم فضول المتفرجين، هجر الكتّاب المقهى تباعاً إلى أماكن أصغر وأهدأ، وقال أحدهم: "حين تصبح مائدتك معرضاً للتصوير، فقد فقدت جوهرها".


ومما أتحفني به أحد الأصدقاء ، أن الروائية أجاثا كريستي لو عاشت في زمننا هذا لربما فضلت ( إكس) لصياغة حبكاتها بذكاءٍ وتكثيف؛ فقد أُفيد أنها كانت تكتب مسوداتها على قصاصات صغيرة لا تكاد تتسع لعشرين كلمة، وكانت تقول: "كل فكرة لا تسعها بطاقة صغيرة ليست فكرة ناضجة بعد"، وحين سألها صحفي كيف تحتفظ بمئة شخصية في رواياتها، قالت: "لكل شخصية جملةٌ واحدة تعريفية، ومن لا أجد له جملةً واحدة أحذفه من الرواية فوراً". ولكن، بدأ (إكس) هو الآخر يضيق بأهله  منذ أن كان اسمه تويتر بعد أن اجتاحه "أعداء ثقافة الفرح". واليوم، نرى الكثيرين يرتدون مسوح العلم وهم منه براء، تماماً كما قال أحد حكماء الإغريق: كان في أثينا إسكافي يلبس عباءة الفلاسفة ويجلس في الأكاديمية، وحين تكلم أُعجب الجميع بمنطقه، لكن سقراط قال: "سأسأله سؤالاً وحدًا: ما الفضيلة؟" فقال الإسكافي جملة براقة نقلها من كتاب، فابتسم سقراط وقال للحاضرين: "هذا رجلٌ يعرف أن يقتبس، لكنه لا يعرف أن يُجيب"، وسكت الإسكافي، وخلع العباءة.


أما عن (لينكدان)، فقد بدأت تلوح فيه بوادر "هجرةٍ" صامتة؛ والسبب هو طغيان "المثالية الزائفة" والخطاب الوعظي المتكلف الذي يشبه ما ورد في "كليلة ودمنة"؛ حيث يُحكى أن تاجراً غنياً كان يُملي على كتّابه قصص نجاحه المبالغ فيها ليُلهم التجار الصغار، وذات يوم سمعه ابنه الصغير فقال: "يا أبي، أنا أعرفك جيداً، وما تقوله لم يحدث هكذا!" فاحمرّ وجه التاجر ثم ابتسم وقال: "صحيح يا بني، لكن الناس لا يشترون الحقيقة، يشترون الأمل"، فردّ الابن: "وأنا لن أشتري أباً يبيع ما لم يحدث". فالمثقف هناك أصبح يبيع "جهلاً بشهادة" كما وصفها مارون عبود، بينما الحقيقة تكمن في الصدق والخصوصية؛ كرسائل الفيلسوف الروماني "سينيكا" الذي كتب نحو مئةٍ وأربعاً وعشرين رسالةً شخصية لصديقه "لوسيليوس"، لم يكتب فيها للجمهور بل كتب لشخصٍ واحد يثق به، وهذه الرسائل صمدت ألفي عام بينما ضاع كثيرٌ من الخطابات العامة؛ لأن "النشر للجمهور يُنسى مع صخب الجمهور، أما الكتابة لروحٍ واحدة فتبقى ما بقيت تلك الروح".



سألتُ نفسي مرة: إلى أين المفر؟ يبدو أن الهجرة القادمة هي هجرةٌ إلى "الداخل"، إلى النشرات البريدية والمدونات الخاصة. فالمثقف العضوي كما وصفه غرامشي، بدأ يدرك أن "أمية العين" الرقمية لا تُعالج في الزحام. إنها عودة لزمن الصفاء؛ حين أراد الروائي الفرنسي "مارسيل بروست" كتابة روايته "البحث عن الزمن المفقود"، بطّن جدران غرفته بالفلين لعزل الصوت تماماً، وأسدل الستائر السوداء، وكتب ليلاً فقط، فأنجز في تلك الغرفة الصامتة سبعة مجلدات عجز عنها في سنوات الصخب. وهو ذاته ما حدث عام 1665 حين ضرب الطاعون إنجلترا، فعاد إسحاق نيوتن إلى بيت أمه في الريف، وفي تلك العزلة القسرية اكتشف قوانين الجاذبية وأسس حساب التفاضل، فلم يكن لديه إنترنت ولا تغريدات، بل كان لديه تفاحة وعقل فارغ من الضجيج. وقرأتُ أن أحد أشهر علماء الفيزياء المعاصرين طلب من مساعده حذف جميع تطبيقات التواصل قائلاً: "أريد أن أفكر ساعتين متواصلتين دون انقطاع"، فأنز ورقةً بحثية كان يؤجلها لشهور، وقال لمساعده: "الإنترنت يسرق منك عمرك دقيقةً دقيقة، لكنك لا تشعر بالسرقة لأنه يأخذها في حضور الفرح".


يقول الفيلسوف برتراند رسل: إن السعادة تتحقق بعمل مريح وقلة تفكير.. وأعتقد أن الهجرة القادمة هي بحثٌ عن هذا "العمل المريح" لذهن القارئ. فإما العودة إلى "المجموعات المغلقة" حيث المذاكرة الحقيقية؛ كتلك اللقاءات السرية التي كانت تجمع "الإنكلنج" في غرفة خاصة بأكسفورد، ومنهم "سي إس لويس" و"تولكين"، حيث وُلدت فكرة "رحلة الهوبيت" بعيداً عن ضجيج النشر المبكر. فالحقيقة لا تُنال إلا بـ "كثرة النظر"، كما فعل الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي وضع "معجم العين" في عزلةٍ شبه تامة، معتبراً أن "الفراغ الذي يملؤه الفكر يُنتج أكثر من الزحام الذي يملأ الفكر".


قد تبيّن لي أن سفينة أنفسنا تبتعد دوماً عن "الضجيج" وتطلب "الأنس". ليتك تحاول أن تسترد وقتك، فلا تكن كذاك العالم الأندلسي الذي اشترى مكتبةً عظيمة تحوي ألفي مجلد، ولما أدخلها بيته شعر بثقلٍ غريب، فسأله تلميذه: "لِمَ تبدو متضايقاً يا شيخنا؟" فأجاب: "أخشى أن أموت قبل أن أقرأها!" فضحك التلميذ وقال: "إذن لماذا لا تبدأ؟" فقال الشيخ: "هذا هو الداء بعينه: كلما نظرت إليها أحسست أنني لستُ مستعداً للبداية!" فباع نصفها وقرأ النصف الآخر حتى أتمّه. ولا تكن كالذي يهرب لمكانٍ وهو يحمل ضجيجه معه؛ فقد جاء رجلٌ إلى ناسكٍ في الجبل يطلب الهدوء، فقال له الناسك: "الهدوء ليس مكاناً، إنه قرارٌ تتخذه قبل أن تغادر مكانك. من يهرب إلى الجبل بعقلٍ مشغول، سيجد الجبل أضجّ من المدينة". فعاد الرجل إلى بيته وأغلق باب غرفته وبدأ يقرأ. كن كالصياد المكسيكي الذي كان يجلس على الشاطئ يعزف على جيتاره، وحين أغراه رجل أعمال بزيادة الصيد والمراكب ليتقاعد يوماً ويجلس على الشاطئ يعزف، ابتسم الصياد وقال: "ألستَ تصف ما أفعله الآن؟".


ختاماً؛ أيها القارئ الشوّاف: لا يهم من أين رحلنا، المهم هو ما الذي سنحمله معنا؟ يُحكى أن رجلاً سافر من بغداد إلى القاهرة طالباً العلم، ولما وصل سأله العلماء: "ماذا جئت تطلب؟" قال: "جئت لأسمع الشيخ الفلاني"، قالوا: "وماذا قرأت في طريقك؟" فصمت، قالوا: "وماذا كتبتَ مما سمعت؟" فصمت، فقال الشيخ: "أنت جئت تجمع العلم في سفرٍ، لكنك تركت زنبيلك في البيت. العلم لا يجمعه الحضور بل تجمعه اليد التي تكتب والقلب الذي يحفظ". فكن ممن يقيد علمه كما كان يفعل الإمام الشافعي؛ فقد رُوي عنه أنه كان إذا سمع شيئاً يستحسنه كتبه على كمّه أو خفّه، ولما سأله تلميذه: "ألا تخشى أن تضيع هذه القصاصات؟" قال: "أخشى أكثر أن يضيع ما فيها إن لم أكتبه.. العلم صيدٌ، والكتابة قيده". تذكر في ختام رحلتك ما قاله بورخيس في آخر سنواته وقد فقد بصره؛ حين سأله مرافقه عما يريد بعد أن قرأ له ساعات، قال بورخيس بهدوءٍ: "أريد أن أفهم ما قرأت". فالعلم ما دخل معك الحمام، لا ما علق في خوارزميات المنصات المتقلبة. والله أعلم بمساقط الجمال ومكامن الاستقرار.

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page