بارقة.. والإبداع البصري
Updated: Sep 10
انتجت مؤسسة بارقة منذ تأسيسها أكثر من 28 إصداراً صوتياً، ولعلّ من أبرز ما يميز أشرطة بارقة عن غيرها من الأشرطة الإنشادية والغنائية هي تصميم أغلفة الأشرطة بشكلٍ يجذب المستمع، حيث قام بتصميم أغلب أغلفة الأشرطة أ/ عادل فتحي، نيابةً عن وكالة أضواء هشام، والتي تعدّ من الوكالات المشهورة في تصميم أغلفة الأشرطة الإنشادية داخل وخارج بارقة.. إليك، عزيزي القارئ، بعضاً من النقاط التي أضافت نكهةً خاصة لأغلفة أشرطة بارقة.

أولاً: اهتمام المصمم بالمحتوى الصوتي - تتميّز سلسلة "حورنيات" للمنشد حامد الضبعان بأغلفتها المستلهمة من المحتوى الصوتي الموجود بها، ففي الجزء الأول مثلاً نرى سيارةً حمراء كبيرة لها أجنحة وعيون، وعلى أَنْتينها بضعُ كتب، تنفث ناراً من أمامها، وتمشي على الصحراء وكأنها تلحق أرنباً. أشارت السيارة الحمراء إلى أنشودة "الجيب جاهز"، كما أشارت العيون الموجودة بالسيارة إلى عيون الذئب التي تصوّرتها شخصية "أبو سعود" في المشهد المرافق لأنشودة "يكفي يا كذوب"، وأشار الأرنب إلى شطرٍ من أشطر تلك الأنشودة، حيث أنشد الضبعان قائلاً "كذبك أرانب تطير"، أما الكتب فأشارت إلى أنشودة "ملّيت أنا كثر الحصص والطباشير". بينما في الجزء الثالث نرى ضباً له شعرٌ وشاربٌ وأحمر شفاه، يلبس نظارةً وطربوشاً أحمر وربطة عنقٍ حمراء، ويمسك طبلةً مكتوبٌ عليها "عاشوا"، وتطأ رجله كرة قدم. أشار الضب إلى أنشودة "الضب"، وأشارت الكرة إلى أنشودة "فريقنا بطل"، وأشارت الطبلة إلى أنشودة "الزار"، أما كلٌ من الطربوش والربطة والنظارة والشارب وأحمر الشفاه فكلها إشارة لأنشودة "بلا بلا".
ثانياً: إطلاق خيال المصمم الواسع - بعد فهم فكرة الشريط والاستماع إلى الشريط كاملاً، أحياناً ما يطلق المصمم خياله الواسع ويقدّم تصاميمَ مبنيةً على فهمه لتلك الفكرة.. ولعل أبرز مثالٍ على ذلك في ألبوم "شقرديّة" للمنشد حامد الضبعان، حيث نرى في غلاف الألبوم جَمَلاً يمشي فوق هام السّحب، يحمل فراشاً ووسادةً وخيمة، وفوقه غلافُ منطادٍ يحمله، ويركبه طفلان، أحدهما ولدٌ يرفع علم المملكة العربية السعودية، والثاني فتاةٌ تحاول الصعود. قدّم المصمم هذا الغلاف في إشارةٍ لخيال الطفل الواسع، كون الألبوم موجهٌ للأطفال الصغار.. أما في ألبوم "2 طش" للمنشد عيد سعود، فعلى الرغم من تطرّقه إلى مواضيع أقوى مثل الشات والبلوتوث والتفحيط والاحتيال ونحو ذلك، إلى أن الغلاف يحمل طابعاً خيالياً سريالياً، حيث نرى قطاراً بخارياً خشبياً له جمجمةٌ كجمجمة الإنسان، ينفث ناراً من مدخنته، يسير على سكّةٍ داخل كهفٍ ما، وحوله جماجم كثيرة عن يمينه وعن يساره.
ثالثاً: تصميم الشعارات.. من القلم والريشة إلى الحاسوب - كان من أهم أدوار بارقة أن تضمن أن يُقَدّم العمل بأحسن صورة، ولذلك، كان لا بد بأن تكون الشعارات مألوفةً لدى المستمع.. فظهر شعار "حورنيات" بكتابته النارية، وظهر شعار ألبوم "أطلال" بكتابةٍ تعيد المستمع للماضي، وظهر شعار ألبوم "باكر تسافر" للمنشد مصعب المقرن بكتابةٍ أشبه بخط اليد، أما شعار ألبوم "أجامل" للمنشد سمير البشيري فجاء مكتوباً بالخط الديواني. في بعض الأحيان يأتي الشعار بتصميمٍ ثلاثي الأبعاد كما في ألبوم "مهنديات" للمنشد محمد سعيّد الشمري (أبو مهند) والجزئين الأول والثاني من سلسلة "المقناص" للمنشد حامد الضبعان، وثلاثيّة "واحد طش" للمنشد عيد سعود.
رابعاً: الأبسط هو الأفضل – أحياناً ما يمثّل رمزٌ واحد على الأقل ألبوماً كاملاً، فالصقر مثَّل ألبوم "مهنديات" وأول ثلاثة أجزاء من سلسلة "المقناص"، أما الأبواب والجدران التراثية القديمة فمثّلت كلاً من "أطلال" و"على الريش". في حالةٍ واحدةٍ فقط يلجأ المصمم إلى اقتباس شعارٍ من آخر، فالرقم 3 في شعار ألبوم "3 طش" هو بالأصل نسختان عاكستان لرأس الرقم 2 من شعار ألبوم "2 طش".
خامساً: التحول كاملاً إلى التصميم الرقمي – يمثّل ألبوم "أوراق السنين" للمنشد حامد الضبعان نقلةً نوعية في أغلفة ألبومات بارقة، إذ كان أول ألبومٍ فعلي من بارقة يعتمد غلافه على التصوير الحيّ، حيث نرى الضبعان وخلفه جدارٌ وبابٌ لبيتٍ تراثي، وقد حصل ذلك بعد تجربةٍ مبدئية في الطبعات الأخيرة من ألبوم "أجامل". تكرّرت تلك التجربة في ألبومات بارقة التي أتت بعده، مع الإبقاء على نفس التخطيط الذي ميّز أغلفة الألبومات السابقة.
كل هذه النقاط ونحوها كوّنت شخصية "بارقة" البصرية وجعلتها أقرب إلى ذوق المستمع، وهذا ما استفادت منه مشكورةً مؤسسة الإذاعة والتلفاز، حيث جعلت شخصية الضبّ من غلاف ألبوم "حورنيات 3" جزءاً من الهوية البصرية لحفلة "عودة الضبعان" والتي سبق وقدّمها مسرح الإذاعة والتلفاز في فرعَي بيت الثقافة في الرياض وبريدة، تقديراً للأستاذ حامد الضبعان وامتداداً لمسيرةٍ امتدّت ربع قرن، وتمثيلاً لحبّ جمهوره له.. ولأجل ذلك كان هذا المقال. أرجو من الله سبحانه أن يحوز على رضاك واستحسانك، والله ولي التوفيق.







Comments