الهجولة يا خالي
- محمد أبوساق
- Jul 26
- 4 min read
Updated: 6 days ago
كيف يتحول التفحيط إلى منتج؟
تشهد ظاهرة التفحيط في المجتمع السعودي تغيراً كبيراً لم يعهد سابقاً، ففي ظل تطور المملكة الذي تشهده على مختلف الأصعدة الرياضية، أخذت ظاهرة "التفحيط" كذلك بالاعتراف كرياضة وانتقلت من التجريم إلى التنظيم، من الأحكام الجنائية إلى التقنين، من الطرقات العامة إلى الحلبات، من تحدي السلطات الأمنية ومواجهتها إلى اتباع الأنظمة، ففي يومي 25 و26 من شهر يونيو 2026م، انطلقت فعالية "هجولة" تحت إشراف الاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية.
سنستخدم في هذه المقالة مصطلح "هجولة" للإشارة إلى فترة التنظيم، أما التفحيط فلا نحبذ استخدامه، حيث أن مفهوم التفحيط قد يحمل في الذاكرة الشعبية أبعاداً أعمق تتجاوز الهجولة كرياضة، فقد يحمل أبعاداً ثقافية وجنائية ارتبطت بفترة التجريم والجماعات الحاضنة تحديداً.
كما نسعى تأمل هذه الرياضة بعد فترة التنظيم، حيث سنحاول أن نقدم قراءة جديدة للظاهرة، ظاهرة نشأت منذ عقود بين الشباب السعودي كما تم إعادة إنتاجها عبر عدة أجيال، ولم يوقفها الأحكام القضائية المغلظة والتي وصلت إلى الحكم بالقصاص في بعض القضايا مثل مطنش وأبوكاب والتي تم استئنافها لاحقاً، كما أنها ظاهرة مرت بفترات فتور ونشاط عبر الأزمنة، وتحمل في طياتها دلالات اجتماعية عميقة يلجأ لها الشاب كنوع للتعبير عن ذاته وهويته بالانتماء لتلك الجماعات.
إن الدراسات الكلاسيكية للظاهرة ارتكزت بشكل رئيس على دراسة أشكال الجماعات الحاضنة للتفحيط واتجاهاتها ومضامينها الثقافية، أكثر من "التفحيط" بحد ذاته باعتباره هواية أو رياضة خطرة تطورت جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي. ولا بأس في ذلك، فالجهود التي قُدمت في الدراسات الكلاسيكية كانت تصب في حقل الدراسات الجنائية والأمنية التي كانت تسعى لمحاربة ما ينتشر في أوساط تلك الجماعات من جنايات أو سلوك انحرافي، والذي كان بدوره مخالفاً للنسق الثقافي العام بل يصطدم معه بشكل مباشر في كثير من الأحيان.

ظاهرة التفحيط بحد ذاتها لم تؤخذ بعين الاعتبار كهواية أو رياضة خطرة نشأت في أوساط المجتمع السعودي، والنظر إليها بمعزل عن الجماعات الحاضنة تماماً كما هو الحال في سباقات السيارات، الرالي، أو حتى الدرفت.
الهجولة رياضة تعتمد على أرجحة السيارة بسرعات عالية تتجاوز 140كم/ساعة، كما يتم ممارستها على طرق معبدة مستقيمة، أما طوكيو درفت فتعتمد على سرعات منخفضة مقارنة بالهجولة، إضافة إلى اعتمادها على المنعطفات الضيقة أو الحادة، كما أن المركبات التي تستخدم لهذه الرياضة تعتمد على الدفع الخلفي إضافة إلى تطوير المركبات وتعديلها. ومن جهة أخرى، يمكن ممارسة الهجولة بمركبات ذات دفع أمامي أو خلفي دون حاجة لتعديلات تُذكر، باستثناء بعض التعديلات الهامشية مثل الملصقات التي توضع على هيكل المركبة. وبالنسبة للطرق، فهي تعتمد على طرق واسعة غالباً ما تكون ذات ثلاث مسارات وأعلى.
والهجولة في جوهرها هي إخضاع العوامل المتوفرة وتغيير ديناميكيتها بناءً على القوانين الفيزيائية، فالقائد المحترف حين يعمد إلى الهجولة نجده يعتمد على أطوال وأبعاد المركبة، فغالباً ما يميل إلى المركبات الصغيرة والمتوسطة (السيدان)، إضافة إلى مستوى نعومة الطريق، فالاحتكاك الحاصل بين إطارات المركبة والطريق المعبد يشكل جزءاً مهماً من المعادلة. أضف على ذلك أن السرعات العالية تخفف من كتلة المركبة إدراكياً فيكون التحكم بها أخف، على عكس القيادة بسرعة بطيئة فتكون المركبة ثقيلة مما يجعل التحكم في انجرافاتها أكثر صعوبة كما هو الحال في الدرفت. وهذا لا يعني أن الهجولة أسهل، فالخطأ الواحد المؤدي إلى فقدان القدرة على التحكم بمدى انجراف المركبة قد يكون قاتلاً أو مسبباً للشلل الجسدي؛ إذ إن السرعات العالية تجعل الارتطام أعنف.
بعد الاعتراف بهذه الرياضة رسمياً، حان الوقت لأن نتأمل هذا التحول ضمن سياق أوسع، فليست الهجولة الحالة الوحيدة التي انتقلت من الهامش إلى صلب المؤسسة الرياضية؛ فالتزلج على اللوح 'Skateboarding' نفسه كان يُنظر إليه لعقود كسلوك شغب في الشوارع والأماكن العامة قبل أن يتحول إلى رياضة أولمبية معترف بها، وكذلك الدرفت في اليابان الذي بدأ كممارسة غير قانونية على طرق الجبال قبل أن يتأسس كرياضة منظمة ذات بطولات عالمية مثل D1 Grand Prix. هذه الأمثلة تكشف نمطاً متكرراً: أن كثيراً من الرياضات التي نعرفها اليوم بصورتها المؤسسية والمنظمة، كانت في جذورها الأولى تعبيراً عن تمرد أو انحراف عن النظام العام، قبل أن يعاد تأطيرها ضمن منطق رسمي وتجاري.
وتقديم وجهة تتعلق بتسليع هذه الظاهرة ومحاولة جذب أنظار عشاق السيارات من مختلف أجزاء العالم هو ما نسعى إليه هنا، فرعاية الاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية لهذه الفعالية ليست إلا البذرة الأولى في مسار تسليعها كمنتج ثقافي يمكن تصديره. ومع ذلك، هذا غير كافٍ للأسف، فنحن في الواقع بحاجة إلى تفكيك الثقافة الفرعية أولاً حتى يتم تسليع الهجولة كمنتج ثقافي بحت.
والمهم هنا أن هذا التفكيك ليس قراراً واعياً تتخذه جهة بعينها، بل هو نتيجة حتمية لدخول منطق السوق والرأسمالية على الظاهرة. فبمجرد أن تعترف بها جهة تجارية أو تنظيمية، يبدأ السوق بنفسه في عملية التجريد: تجريد القيم والمعاني والمثل العليا من طابعها الحالي للمجموعة أو تخفيفها، أي تغيير معاني الأشياء وتحويلها إلى سلع من خلال عرض جوانب ممتعة من الهوية وتجاهل أخرى، مما يجعل الهوية منتجاً ثقافياً أكثر قابلية للتسويق. تتفكك هنا معاني الجريمة والانحراف والوصمة الاجتماعية، ليحل محلها منطق السوق ذاته: المهارة التقنية كمنتج معروض، الإثارة الرياضية كسلعة، والقابلية للتصدير كغاية. وهذا مبحث واسع لن نتشعب فيه أكثر في هذه المقالة، وإن ما نسعى إليه هو إعادة قراءة "التفحيط" بعيداً عن النظرة الكلاسيكية.
لكن ما يضعنا حائرين أمام هذه الظاهرة هو أن معظم الدراسات الكلاسيكية تشير إلى أن المستويات التعليمية لجمهورها منخفضة، كما أن معظم القائدين المحترفين هم من العاطلين، إلا أننا حين نتأمل هذه الجماعات من الداخل لوجدنا أن ولع قائديها بالهجولة جعل منهم -وبلا وعي أو قصد- عالمين في الفيزياء تطبيقياً من جهة، ومن جهة أخرى يجهلونها نظرياً. إضافة إلى أن عشق الجمهور لهذه الرياضة، أو حتى شغفهم بالسيارات بشكل عام، جعل منهم فئة ذات مهارات ومعرفة واسعة سواء في ميكانيكية السيارة أو حتى كهربيّتها.
وما حالة التفحيط هنا إلا مثال حي على قابلية الرأسمالية لتسليع كل شيء، حتى ما نشأ أصلاً كتمرد عليها أو كهامش خارج عن نسقها. فالجريمة والانحراف والوصمة، التي كانت يوماً ما تضع هذه الظاهرة على أطراف المجتمع، لم تكن في النهاية سوى مادة خام أخرى بانتظار من يعيد تشكيلها وتغليفها وتصديرها. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل هناك فعلاً ما يستعصي على السوق أن يحوله إلى سلعة؟







Comments