top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

المشي والتفكير والكتابة - كيف يولد النص على قارعة الطريق

د. صالح بن سعد الأنصاري
Oct 6
4 min read

منذ زمن الفلاسفة "المشائين" اليونانيين، اكتشف أهل الأدب والفكر علاقة عميقة وعضوية بين المشي وولادة النص الإبداعي. وفي هذا السياق لم يكن الروائيون والكتاب يمشون لمجرد الرياضة بل بحثًا عن جملة هاربة أو فكرة مستعصية. ويعبر الفيلسوف والكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو عن هذه الحالة بقوله: "في اللحظة التي تبدأ فيها ساقاي بالتحرك، تبدأ أفكاري في التدفق".

وقد دُرست هذه الظاهرة باستفاضة في "مجلة الفلسفة" الفرنسية الرصينة في ملف خاص بعنوان «المشي مع كبار الفلاسفة»، واستعرضت كيف كانت الحركة ركيزة أساسية في العصر الحديث للإنتاج الإداري والفكري بدءً من إيمانويل كانط الذي كان مشهورًا بـ نزهته المسائية اليومية التي كانت طقسًا مقدسًا وصارمًا لا يتأخر ولا يتقدم دقيقة واحدة لترتيب مسودات أفكاره الكبرى.

وكان لـ جان جاك روسو، الفيلسوف والأديب الفرنسي عادة مميزة في حب الجولات الطويلة هائمًا في أحضان الطبيعة الساحرة الممتدة بين سويسرا وفرنسا. ولم يكن روسو يمشي للتنزه بل لتهيئة ذهنه للكتابة. وكان إذا حزبه أمر عظيم في فكرة كتاب أو فصل تجده يمشي بتوتر ويصعد الجبال ويهبطها بنوع من العصبية في تطابق بديع بين حركة الجسد المتوترة واشتعال المخيلة ببحثها عن حل إبداعي يفك عقدة النص.

"النص الأصيل يولد في العزلة والأعالي" نيتشه

أما فريدريك نيتشه، الذي يُعد أكبر مشّاء في تاريخ الفكر والكتابة، فقصته ملهمة لكل كاتب، فقد أمضى معظم حياته سائرًا على الأقدام يجوب دروب أوروبا. وكان من عادته إذا وصل إلى منطقة جديدة أن يخرج فورًا لاستكشاف المسالك والدروب الضيقة المحيطة بها. ولم يكن هذا استكشافًا جغرافيًا بقدر ما كان مسحًا ذهنيًا يبحث فيه عن مسالك الفكر العويصة. فـ المشي كان بوابته لتبديد آلام التوتر النفسي والقفشات الفكرية التي تحاصر الكتابة.

وكان نيتشه يسافر وحيدًا رفقة ظله فقط وهو الطقس الذي انبثق منه كتابه الشهير "المسافر وظله". إذ كان يرى العزلة المطلقة أثناء المشي شرطًا أساسيًا لإنتاج الفكر والتعمق في صياغة النظريات. وفي أعالي جبال "الأنغادين" الساحرة بـ سويسرا حيث كان يتسلق القمم ليتنفس الهواء النقي، وولدت لديه أعظم أفكاره الفلسفية مثل كتابه "العودة الأبدية" وهي فكرة صاغها بالكامل وهو يتحرك على قدميه قبل أن يودعها الورق.


تهدئة العقل والتخلص من "قفلة الكاتب" وحصار اليوميات

إن أزمة الكاتب الكبرى تكمن في "طاحونة الحياة اليومية" وزحامها الصاخب، فمن السهل جدًا أن يتورط عقل الكاتب في تفاصيل الالتزامات ومهام العمل الشاقة ومتطلبات السوق وجداول الأطفال فضلًا عن ثرثرة الأحاديث الداخلية المستمرة. هذا الاكتظاظ الذهني يعمل كحاجز خرساني يمنع الأفكار الإبداعية من الظهور إلى السطح، ويؤدي إلى ما يُعرف بـ "قفلة الكاتب" (Writer's Block).

وهنا يأتي المشي كـ مساحة معالجة حرة تمنح العقل المرهق السكون والوضوح اللذين يتيحان للإلهام الإبداعي أن يطفو على السطح. إن أفكارنا الأكثر جودةً وعمقًا، والتي تصنع الفارق في نصوصنا، لا تأتينا ونحن نحدق بغضب في الشاشات، بل تباغتنا غالبًا عندما نسترخي أثناء المشي أو في منتصف الاستحمام أو قبيل الاستغراق في النوم. إن المشي يكسر الجمود الإدراكي ويطرد المشاعر والأفكار السلبية ليحل محلها تدفق أدبي منساب.


الحركة التي تفك قيود الخيال

إن الارتباط بين المشي والكتابة ليس مجرد انطباع رومانسي، بل هو حقيقة مثبتة علميًا بيولوجيًا ومعرفيًا. فـ الطريقة التي نحرك بها أجسادنا تغير طبيعة أفكارنا وبنيتها؛ حيث يؤدي المشي بـ إيقاعنا الخاص إلى خلق تناغم تلقائي بين سرعة الخطوات وسرعة السرد الداخلي في عقولنا.

وتدعم هذا الطرح دراسة علمية بارزة من جامعة ستانفورد (أجرتها الباحثة ماريلي أوبيزو)، حيث أثبتت بالتجارب أن المشي يرفع من التفكير المتشعب والمخرجات الإبداعية بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالجلوس. واللافت لمعشر الكتاب في هذه الدراسة أن التأثير الإبداعي يظل مستمرًا ونشطًا حتى بعد عودة الكاتب إلى مكتبه وجلوسه أمام الأوراق، مما يعني أن المشي بمثابة عملية شحن لـ بطارية الكتابة.

ومن الناحية البيولوجية وعندما يخرج الكاتب في جولة مشي يضخ القلب الدم إلى الدماغ بكفاءة مما يرفع نسبة الأكسجين في الدماغ، ويحفز إفراز ناقلات عصبية حيوية مثل السيروتونين والاندورفين التي تحسن المزاج وتطرد قلق النشر والكتابة. وعلاوة على ذلك فإن المشي المنتظم يحفز نمو خلايا عصبية جديدة في منطقة الحُصين (Hippocampus) المسؤول عن الذاكرة والتعلم، ويسرع من التواصل بين فصي الدماغ الأيمن والأيسر، فهذا التمازج السريع يقوي الرابط بين المنطق (الفص الأيسر المسؤول عن البناء الهيكلي للنص) والخيال (الفص الأيمن المسؤول عن الصور الجمالية والحبكة)، مما يمنح الكاتب قدرة فائقة على التفكير خارج الصندوق والربط الإبداعي بين المفاهيم المتباعدة.

 

المشي والخروج من وضع "الطيار الآلي" إلى الوعي بالنص

يمنح المشي التأملي الكاتب فرصة نادرة للتخلص من تشتيت الشاشات التي تلتهم وعينا اليومي. فعندما نمشي نخرج من نمط تفكير "الطيار الآلي" المستهلك وننتقل إلى وعي إيجابي حاد بالذات وبالبيئة المحيطة.

إن تفريغ الذهن والعزلة الطويلة أثناء المشي ليسا مضيعة للوقت كما قد تظن ثقافة الاستعجال الحديثة، بل هما "مختبر حقيقي لصناعة الأفكار". هذا الوقت المستقطع يجدد طاقتك الفكرية ويخفف من سلبية الضغوط، ويسمح لك بالتركيز على القضية أو الفكرة الروائية أو المقالية التي تهمك وتعمل عليها بعيداً عما يفكر فيه الآخرون. إن الحركة تعيد توجيه انتباهك وتمنحك فرصة ذهبية لمعالجة مخاوفك المهنية وحل معضلات الحبكة الدرامية أو البناء المقالي بعقل مسترخٍ ومنظم.


كيف تحول خطواتك إلى مسودات ناجحة؟

لكي يصبح المشي روتينًا منتجًا في حياتك ككاتب، ينبغي الاهتمام بهندسة هذا الطقس من حيث الزمان والمكان والمسافة:

• المكان والزمان: المشي فجرًا هو الوقت الأسمى لالتقاط الأفكار البكر قبل أن يتلوث الذهن بضوضاء اليوم. أما المكان، فكلما كان قريبًا من الطبيعة المتنوعة وبعيدًا عن المقاطعات والمشتتات كان ذلك أفضل، فالطبيعة تقدم للكاتب لمحات بصرية ومشاهد ملهمة تندمج مع أفكاره الداخلية وتولد صورًا أدبية مبتكرة.

• المسافة والعمق: تكفي بضع كيلومترات لتبدأ الأفكار في التدفق والانسياب. ومع ذلك، فإن جرعات الإلهام ترتفع وتتطور كمًا ونوعًا برحلات المشي الطويلة الممتدة ليوم كامل، والتي تتيح للكاتب مراجعة خططه الفكرية الكبرى ومراجعة مسيرته الإبداعية وصياغة مشاريعه الطويلة (كالروايات والكتب).


وصايا ذهبية للكاتب والمفكر المشّاء

لتحويل مشيك اليومي إلى منجم للأفكار وصيد للحلول الإبداعية، احرص على تطبيق هذه التوصيات:

  • امشِ فجرًا لـ تقتنص صفاء الوعي والبدايات.

  •  امشِ وحيدًا فالعزلة هي الرحم الحقيقي للنص الملهم.

  • تجنب الإسراع المرهق، فالهدف ترويض الفكر وليس الإجهاد البدني.

  • اترك الهاتف وسماعة الأذن تمامًا، ولا تشغل ذهنك بمدخلات تسرق فكرتك الوليدة.

  • لا تسُق أفكارك ولا تجبرها، دعها تنساب بتلقائية وحرية تامة.

  • اختر مكانًا طبيعيًا متنوعًا يمنح مخيلتك التغذية البصرية التي تحتاجها.

  • خذ معك مفكرة جيب صغيرة وقلمًا دائمًا لتمارس طقس "صيد الأفكار" والحلول فور لمعانها وقبل أن تطير.

  • كلما تشتت ذهنك، عُد بسلاسة إلى الوعي بإيقاع حركتك وأحاسيس جسدك.

  • أشغل حواسك الخمس بما حولك من أصوات وروائح ورياح؛ فكلها أدوات تزيد من حساسية الكاتب وقدرته على الإبداع.

  •  تدرج في المسافات وداوم على هذه "المشيات الإبداعية" كجزء لا يتجزأ من طقوس كتابتك اليومية.


ختامًا

قال فريدريك نيتشه ملخصًا هذه الرابطة المتينة "الأفكار العظيمة حقًا، هي تلك التي تنشأ وتولد أثناء المشي". إن المداومة على هذا الوعي الحركي ينقل تركيزك من تأمل مشكلة كتابية إلى أخرى، ويتطور عمق طرحك وأسلوبك الأدبي لتسير بخطى واثقة نحو نسخة أخرى أفضل أكثر نضجًا وغزارة من المفكر والكاتب الكامن في داخلك

ودمتم سالمين.

د. صالح بن سعد الأنصاري

@SalihAlansari

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة

المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

@SaudiHPC




 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page