المشي والأمراض النفسية
- almodawana .
- 3 days ago
- 5 min read
Updated: 20 hours ago
غردت ذات يوم عن شاب صادفته في الممشى، وشاركني تجربته مع نوبات الهلع التي كانت تتكرر عليه مؤثرة سلباً على حياته النفسية والاجتماعية، وشرح لي كيف تحسنت حالته كثيراً بعد الانتظام في المشي. فعلق أحد أصدقائي من المتابعين في منصة "إكس" (تويتر سابقاً) قائلاً: "والله لقد رأينا من عجائب المشي الشيء الغريب والعجيب، حتى صرنا كأننا دجالون، ولن يصدقنا إلا من جرب المشي بانتظام وأصبح إنساناً آخر".
هذا التعليق جعلني أتساءل مع نفسي: هل يُدرك الزملاء أطباء الصحة النفسية والأخصائيون النفسيون والمتخصصون في رعاية الأمراض النفسية ما ينبغي إدراكه عن علاقة المشي من بين الرياضات بالصحة النفسية؟ وعن كونه علاجاً داعماً وقوياً لتحسين العديد من الأمراض النفسية؟ وهل يفعلون ما يجب لشرح هذه العلاقة للمرضى؟ وهل يحاولون متابعة آثار هذا العلاج السحري على مرضاهم؟2. الفجوة المعرفية: إهمال النشاط البدني في العلاج النفسي.
يدرك الكثيرون أهمية النشاط البدني والمشي على الصحة الجسدية، إلا أن الأثر الإيجابي للنشاط البدني على الصحة النفسية أقل انتشاراً، ولا يستثمر في العيادات النفسية كما ينبغي. وفي هذا السياق، يشير البروفيسور مايكل أتو (Michael W. Otto)، أستاذ العلوم النفسية والدماغ ومدير "مختبر الأبحاث التفسيرية" في جامعة بوستون الأمريكية، إلى هذه الفجوة بقوة قائلاً
: "النشاط البدني شيء تأخر الأخصائيون النفسيون في تناوله". ويركز البروفيسور أتو في أبحاثه الممتدة لأكثر من 25 عاماً والمدعومة من المعاهد الوطنية للصحة (NIH) على تطوير العلاجات النفسية والاجتماعية للاضطرابات المزاجية والقلق. ويؤكد أتو في مؤلفاته الطبية (مثل أبحاثه المنشورة في الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA) أن التمارين الرياضية يجب أن تُعامل كعلاج رئيسي مكافئ للأدوية النفسية والجلسات الكلامية في علاج الاكتئاب والقلق، حيث تثبت تجاربه السريرية أن المرضى الذين يلتزمون ببرنامج رياضي منتظم يتماثلون للشفاء بمعدلات تطابق العلاجات التقليدية.
التأثير العلاجي والمقارنة بالأدوية: القلق والاكتئاب نموذجاً
ثبت علمياً بما لا يدع مجالاً للشك أن المشي المنتظم يخفف التوتر، ويُعد علاجاً مثالياً للإجهاد، فضلاً عن دوره في تحسين الانتباه، والتركيز، والأداء المعرفي العام. كما أنه يرفع الكفاءة المزاجية للمرضى الذين يعانون من درجات خفيفة ومتوسطة من الاكتئاب. بل يذهب عالم النفس السريري البروفيسور بلومنثال (Blumenthal) من جامعة ديوك الأمريكية إلى أن ممارسة النشاط البدني يمكن أن توازي في أثرها الأدوية النفسية تماماً في حالات القلق، والتوتر، ونوبات الهلع، ولدى مرضى الاكتئاب. كما أظهرت الدراسات الطولية أن الانتظام في المشي يحد بوضوح من فرص الانتكاس ومعاودة نوبات الاكتئاب. وتؤكد إحدى الدراسات السريرية أن مرضى المشكلات النفسية الذين يطلب منهم الأطباء المشي في ممرات المستشفى قبل الدخول للعيادة، يُظهرون مستويات أعلى من الاسترخاء والانفتاح في الحوار أثناء المراجعة الطبية.
وتشير المراجعات البحثية المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة إلى أن المشي يعطي آثاراً إيجابية على المشكلات النفسية لدى الإناث بنسب أعلى مقارنة بالذكور، وأن التمارين الهوائية (كالمشي) تتفوق في نتائجها النفسية على تمارين المقاومة (رفع الأوزان). وفي دراسة موثقة نشرتها المجلة الإسكندنافية للطب النفسي، تبين أن رفع شدة اللياقة البدنية العالية جداً أو الجري السريع لم يضف فارقاً كبيراً إلى التحسن النفسي الذي يحدثه المشي العادي وحده، مما يجعل المشي الخيار الأسهل والأكثر كفاءة.
الآليات البيولوجية والنفسية لـ "علاج المشي"
يُفسر المتخصصون في علم الأعصاب كفاءة المشي في تحسين الحالة النفسية بعدة آليات بيولوجية ونفسية متكاملة
الإفراز الهرموني: يحفز المشي الدماغ على إفراز مركب السيروتونين وناقلات الإندورفين العصبية، وهي ذات المركبات الكيميائية التي تستهدف الأدوية النفسية المضادة للاكتئاب زيادة إفرازها وتواجدها في الدماغ.
تعزيز الكفاءة الجسدية: إن شعور المريض بالقدرة على إنجاز نشاط المشي والانتهاء منه يمنحه إحساساً بالسيطرة، والقدرة على اتخاذ القرار، وشعوراً دافعاً بالإنتاجية.
تفريغ الطاقة الحركية: إن بقاء الطاقة الحركية مخزنة وغير مستثمرة في الجسم يُعد محفزاً فسيولوجياً للقلق والتوتر؛ لذا فإن تحريك هذه الطاقة بالمشي يعيد التوازن الفسيولوجي للجسم.
تنظيم التنفس: تسارع النفس أثناء المشي يساعد على تصريف كميات تراكمية من ثاني أكسيد الكربون، وهو أثر مطلوب لتحسين أعراض القلق ونوبات الهلع التي يضطرب فيها التنفس عادةً دون مبرر عضوي.
تشتيت المحفزات السلبية: يفسر علم النفس البيئي أثر المشي في الطبيعة بأنه يشتت التركيز بعيداً عن الأفكار الاجترارية ومصادر القلق. فعندما يبدأ الإنسان بالمشي، يتفعل لديه ما يُعرف بـ التدفق البصري (Optic Flow) عبر التركيز على حركة الأشياء والمناظر من حوله، وتفاعل حواسه مع هبوب الهواء والأصوات والروائح البيئية، مما يقود الانتباه تلقائياً إلى الانشغال بأفكار آنية بعيدة عن مثيرات التوتر.
جودة النوم وحماية الدماغ: يُعد المشي من أقوى المنظمات الحيوية للنوم؛ إذ يجلب النوم بسهولة ويحسن جودته وعمقه، مما يحد فسيولوجياً من نوبات القلق. فضلاً عن أن مجرد رفع حرارة الجسم البسيطة أثناء المشي يمنح الدماغ تأثيراً مهدئاً يبدأ بعد دقائق معدودة، ويمثل عامل حماية طويل الأمد لخلايا الدماغ
أثر المشي على الاضطرابات الذهانية الشديدة
بالإضافة إلى الدور الوقائي والعلاجي للمشي في اضطرابات المزاج والقلق، يجب ألا نغفل أثره المكمل والهام جداً في التعامل مع الاضطرابات الذهانية الشديدة والمزمنة، مثل الفصام (Schizophrenia) والاضطراب ثنائي القطب (Bipolar Disorder).على الرغم من أن التوصيات القديمة كانت ترى أثراً محدوداً للرياضة في هذه الحالات، إلا أن المراجعات المنهجية الحديثة والتحليلات البعدية (Meta-Analyses) المنشورة في الدوريات الطبية العالمية (مثل Schizophrenia Bulletin وScienceDirect) تؤكد أن التمارين الهوائية المنتظمة كالمشي السريع تُحدث فارقاً جوهرياً للمرضى الذهانيين.
وتتلخص هذه الفوائد في محورين:
تخفيف الأعراض النفسية والمعرفية: أثبتت الدراسات أن المشي الخاضع للإشراف يساهم في تقليل الأعراض الذهانية "النشطة" (كالهلاوس) والأعراض "السلبية" (كالانسحاب الاجتماعي، وفقدان الشغف، والخمول). كما تؤكد أبحاث الأعصاب أن الرياضة الهوائية تزيد من حجم الحصين (Hippocampus) وترفع مستويات عامل النمو العصبي (BDNF)، مما يحسن الذاكرة، والتركيز، والقدرات المعرفية التي تتدهور عادةً بسبب الذهان.
مواجهة الآثار الجانبية للأدوية النفسية: يعاني مرضى الاضطرابات الذهانية من فجوة عمرية وصحية بسبب الخمول وبسبب الآثار الجانبية الشديدة لمضادات الذهان (Antipsychotics) التي تسبب زيادة الوزن، ومرض السكري، والمتلازمة التمثيلية (Metabolic Syndrome). وهنا يأتي المشي كأداة علاجية مجانية وآمنة تماماً لتقليل المخاطر القلبية والوعائية، ومساعدة المرضى على إدارة أوزانهم، وتحسين جودة حياتهم بشكل عام.
لماذا تميز المشي عن باقي الرياضات؟
تُجمع الأبحاث الميدانية والنفسية على أن المشي يمتلك خصائص بنيوية تجعله يتفوق عملياً على رياضات أخرى في برامج التأهيل النفسي، وترجع الدراسة الأسباب إلى عدة عوامل جوهرية:
مستويات الاسترخاء العالية: يتيح المشي مساحة من الاسترخاء الفكري والنفسي لا تتوفر في الرياضات العنيفة أو المجهدة.
تعزيز القدرات الإدراكية (Cognitive Abilities): ثبت علمياً وجود علاقة ارتباطية وثيقة بين المشي وتحسين مهارات حل المشكلات، واتخاذ القرار، وتدفق التفكير الإبداعي.
المحتوى الاجتماعي والتواصل: يمنح المشي في الممرات العامة فرصاً ممتازة للتفاعل الاجتماعي غير الضاغط، وفتح قنوات التواصل مع الآخرين مقارنة برياضات الصالات المغلقة.
المشي في البيئات المفتوحة: تميز المشي كونه نشاطاً يمارس خارج الجدران وفي الطبيعة، وقد أثبتت الدراسات أن الرياضة في البيئات المفتوحة تضاعف الفوائد الإدراكية والنفسية. غياب التنافسية الحادة: يُعد المشي رياضة ذاتية يقل فيها التنافس والصراع مقارنة بالألعاب الجماعية أو رياضات التحدي، مما يمنع إثارة هرمونات التوتر الناجمة عن الخوف من الخسارة.
التناغم الجسدي والعصبي: بما أن الدماغ بكل موصلاته العصبية يؤثر في كافة أجزاء الجسم، فإن العكس صحيح تماماً فسيولوجياً؛ إذا تحسن أداء الجسد وتناسقه الحركي عبر المشي، تحسن بالضرورة أداء الدماغ ووظائفه النفسية.7. الخاتمة: دعوة لإدماج النشاط البدني في المنظومة الصحية
ختاماً، إن هذه الحصيلة العلمية الوافرة تملي عليّ بلا تردد إطلاق دعوة ملحة لتعليم طلاب الطب وطلاب الكليات الصحية، وإلى إثراء المناهج التدريبية للأخصائيين النفسيين، ليكونوا على دراية تامة بتأثيرات النشاط البدني عموماً والمشي خصوصاً على الصحة الجسدية والنفسية.
إن إدماج المشي كـ "وصفة طبية معتمدة" سيمكن المتخصصين من تقديم نصح متكامل وعلمي للمرضى، ومساعدتهم عبر هذا العلاج الرائع، المجاني، والآمن. كما أن نشر هذه الثقافة وتوطينها كمسلّمة طبية داخل العيادات النفسية سيحمي الأطباء والمتحمسين للمشي من تهمة "الدجل" أو المبالغة التي قد يرميهم بها من لم يختبر عجائب المشي المنتظم كما قال صاحبي في توتر.
ودمتم سالمين.

د. صالح بن سعد الأنصاري
@Salihalansari
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض
@SaudiHPC







Comments