top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

الذهاب إلى صلاة الفجر مشياً والصحة.

  • د. صالح بن سعد الأنصاري
  • Aug 2
  • 3 min read

Updated: 5 days ago

سأخبرك بأقوى خطوة يمكنك اتخاذها من أجل ضبط هرموناتك والتمثيل الغذائي وتحسين صحتك الأيضية وحماية صحتك النفسية والجسدية على المدى الطويل. عند سماع الأذان استعد للصلاة ولا تبحث عن مفتاح سيارتك بل اخرج فوراً للمسجد مشياً على الأقدام.

الجسم الذي يستيقظ فجراً يختلف بيولوجياً وكيميائياً عن الجسم وقت الظهيرة. ففي اللحظة التي تفتح فيها عينيك تكون الغدد الكظرية قد أطلقت موجة من هرمون الكورتيزول انسجاما مع الساعة البيولوجية، ولتبدأ نظام الإنذار الطبيعي، مما يدفع الكبد لإفراز الجلوكوز في مجرى الدم لتوفير الطاقة في الوقت الذي تكون فيه مستويات الإنسولين في أدنى مستوياتها اليومية. ومجرد الخروج للحركة في غضون دقائق من الاستيقاظ يمثل فرصة بيولوجية نادرة تتكرر يوميا، لدرجة أن الباحثين في جامعة ستانفورد ومعهد سالك أطلقوا على الحركة الصباحية المبكرة اسم "الرافعة الأيضية الأقل استخداماً في صحة الإنسان".

وتكتسب هذه النافذة في حياة المسلم أبعاداً أعمق تتجاوز مجرد الفوائد المادية؛ فالاستغناء عن السيارة والمشي إلى صلاة الفجر يربط الفوائد الصحية بالسلام النفسي والطمأنينة الروحية التي تبدأ قبل إشراق الشمس وتستمر طوال اليوم. أما إذا آثر الإنسان البقاء خاملاً في فراشه أو استقل سيارته لقطع مسافة قصيرة نحو المسجد فإن الجسم يدخل تلقائياً في وضع تخزين  تلك الوفرة من الجلوكوز على شكل دهون وضرورة ارتفاع الإنسولين وبالتالي ركوداً أيضياً يمتد لساعات طويلة.

إن اختيار المشي والنشاط البدني أول النهار يفجر آلية عبقرية داخل الخلايا العضلية لا نشعر بأهميتها، وذلك بتنشيط ناقل بروتيني يسمى (GLUT4). هذا الناقل مسؤول عن إدخال الجلوكوز إلى خلايا العضلات، ويتحفز ذلك الناقل بشكل كبير بحركة العضلات ولو حركة خفيفة الشدة كالمشي، مما يسمح للعضلات بامتصاص الجلوكوز مباشرة دون الحاجة للإنسولين، وهذا ما أكدته دراسة نشرت في مجلة "أيض الخلية" عام 2019م.





هذه الاستجابة الحركية المبكرة قبل شروق الشمس تضمن حرق وقود الجسم بشكل نظيف وفعال، حيث أظهرت دراسة رائدة من مجلة (Diabetologia) أن الأشخاص الذين تحركوا لمدة 10 دقائق فقط بعد الاستيقاظ انخفضت لديهم مستويات جلوكوز الدم بنسبة 24% مقارنة بالخاملين.

ولا تتوقف فوائد الحركة والمشي أول النهار عند حدود الجسد بل تمتد لتغمر الدماغ بمزيج من التروية الدموية ومضادات الاكتئاب الطبيعية، إذ يطلق الدماغ مع بداية المشي بروتيناً يُعرف بعامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) والذي يصفه العلماء بأنه "سماد الدماغ" لأنه ينمي خلايا عصبية جديدة ويقوي الروابط الشبكية. وقد أكدت دراسة عام 2020م في مجلة (Neure Neuroscience) أن 10 دقائق فقط من الحركة منخفضة الشدة كفيلة برفع هذا العامل وتعزيز الذاكرة والقدرات الإدراكية.

وعند ربط هذه الحقائق بالحياة النفسية للمسلم، نجد أن المشي إلى صلاة الفجر في أواخر الليل وبعد نوم مريح يمنح النفس سكينة مذهلة ورضا داخلياً عميقاً. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله" وجوار الله أمان بعيد عن القلق والتوتر، ويوفر حصانة نفسية صلبة لمواجهة ضغوط الحياة اليومية. كما أن المشي في الظلم يثمر سعادة وراحة بال غامرة، انطلاقاً من البشارة النبوية: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". هذا الدمج بين الطاعة الباكرة والحركة البدنية يبرمج الدماغ يوميا وبانتظام على السعادة والرضا، ويوفر الوقاية من أمراض العصر النفسية مثل الاكتئاب والانعزال.

والمشي قبل شروق الشمس يساهم كذلك في معايرة "الساعة البيولوجية الجزيئية" الموجودة داخل خلايا الإنسان، والتي تنظم إفراز الهرمونات ووظائف المناعة وإصلاح الحمض النووي. ففد أكدت ورقة بحثية عام 2021م في مجلة (Science Advances) أن الحركة الصباحية الخفيفة تعيد ضبط هذه الساعة بكفاءة عالية، مما يضمن جودة نوم أفضل وتوقيتاً هرمونياً أدق طوال اليوم.

الذهاب إلى صلاة الفجر مشيا في هذا التوقيت تتفوق في الحماية من "الشيخوخة الالتهابية" التي تقود لأمراض القلب والسكري ومرض ألزهايمر، فقد أظهر تحليل بحثي ضخم نُشر عام 2022م في مجلة (Lancet Healthy Longevity) شمل أكثر من 140 ألف بالغ أن الحركة الخفيفة بعد الاستيقاظ مباشرة خفضت مؤشرات الالتهاب الجهازي بنسبة 31% وحافظت على طول "التيلوميرات" تلك "الأغطية الواقية" في أطراف الكروموزومات في الحمض النووي مما يعني إبطاء شيخوخة الخلايا.

لتحقيق أقصى استفادة من هذه النافذة الأيضية والفرصة الروحية الفاضلة، ينصح بالالتزام بخطوات عملية بسيطة: المشي فوراً في غضون 10 إلى 20 دقيقة من الاستيقاظ وعدم استخدام السيارة، والسير بسرعة معتدلة تسمح بالتنفس المريح دون إجهاد شديد، مع تجنب تصفح الهاتف أو وضع سماعات الرأس لترك الجهاز العصبي يسترخي في وضع الراحة والاستقلاب والتأمل الروحي.

إن الذهاب إلى صلاة الفجر مشياً هي المعزز الأقوى للصحة النفسية والبدنية، وفي وقت مميز حيويا ونفسيا، وهي بمثابة المايسترو الذي يقود 37 تريليون خلية في جسمك لتعمل بتناغم تام من بداية اليوم وحتى نهايته، فقد بني الإنسان على هذا النظام منذ فجر البشرية، فهو يستيقظ كل صباح ويستهلك الوقود الجاهز في دمه ولا يخزنه. كما أن هذه الحقائق العلمية تتوافق مع نمط حياة رسخه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. فالمشي إلى صلاة الفجر يجمع بين النشاط البدني المعتدل وفرصة التعرض لضوء الصباح وبداية اليوم بالحركة، وهي عناصر أصبحت اليوم جزءًا من توصيات الطب الوقائي.

المسلم الذي يخرج إلى صلاة الفجر لا يخطو نحو عبادة عظيمة فحسب، بل يبدأ يومه أيضًا بحركة يسيرة تعود عليه بفوائد صحية تتراكم مع الأيام. إنها عادة لا تحتاج إلى أجهزة رياضية ولا إلى اشتراكات ولا إلى تكلفة، وإنما تحتاج الاستعداد ليلا بالنوم المبكر والبدء المتدرج والاستمرار.


ودمتم سالمين.

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page