top of page
Homepage
Artboard 2_1_320x-8.png

الذَوق هو المهارة الخارقة في عصر الذكالي

عاليا عبدالله
Sep 9
4 min read

هل تشعر بالملل من المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي والصور المُصطنعة بلا عُمق، و تبحث عن الرُوح خلف سيل المواد الرقمية ولا تجدها؟


لستَ وحدك؛ أنا أيضاً أبحث عن إجابة لتساؤلٍ مُلحٍّ داخلي:

لماذا أشعر أنه ليس من الصواب الانبهار الكُلي بمخرجات «الذكالي» وبتر الحس السليم في إدراك الأمور؟


ذلك المعيار الذي يحثنا على الرفض، والتعديل قبل الاقتناع؛ بمعنى آخر: امتلاك الشجاعة لقول “لا” لذكاء يمنحنا إجابات مُحكمة!


فاليوم، انخفضت تكلفة الإنتاج؛ ويستطيع أي شخص توليد صور مذهلة في ثوانٍ. ولكن، عندما تصبح السرعة رخيصة، تشتعل قيمة خفية وهي: «الذوق».


لذا، سنبدأ رحلتنا لنُجيب عن السؤال الحاسم: كيف نُكوّن ذوقاً خاصاً بنا؟



ماهية الذَوق


من الجدير بالذكر أنّ كلمة «ذوق» لها جذور ضاربة في عمق اللغة العربية، وتعني بصفة شاملة «إدراك طعم الشيء».

وعادةً ما تعني الحس الجمالي الجيد، أو حُسن اختيار الأزياء والكتب، ويوضح الأستاذ يونس في هذه التدوينة أبرز الملاحظات التي استنبطها حول مسألة الذوق.


سأتحدث في هذه المقالة عن الذوق الخاص؛ ذلك المعيار الجمالي الذي يدفعنا لاختيار ما يهم حقاً، في عالم يغرق في سيل مما لا يهم.


كما أنَّ الذوق هو القدرة الفائقة على إصدار أحكام جمالية دقيقة تتجاوز مجرد تمييز الأنماط أو تكرارها وأحياناً أخرى، يتجلى في امتلاك الجرأة لكسر القواعد، والمخاطرة نحو تنفيذ فكرة استثنائية تؤمن بنجاحها.


إنه مفهوم شامل لا يقتصر على إعداد قائمة صامتة بما تُحب وتكره، بل هو حدسٌ متطور، يُوجه تفضيلات المرء عبر مختلف الوسائط والأشكال والسياقات.



المساحة التي يعجز “الذكالي” عن اختراقها

إذا كان الذوق بهذه الأهمية، فلماذا تعجز الآلة عن امتلاكه رغم ذكائها؟

السبب هو طبيعة الذوق الذي يقاوم القيود الرقمية، وهي:


اللاخطية:


ينشأ الذوق الجمالي دائماً من تفاعلات عميقة لا تخضع لمعادلة السبب والنتيجة. فالعيب أو النقص قد يكون في سياقٍ ما سبباً لإفساد العمل، بينما يتحول في سياقٍ آخر إلى تميز وجمال يضيف إلى العمل أبعاداً مدهشة.


الاتساق المنطقي


تبحث الآلة دائماً عن النمط المثالي، ولذلك هي تعجز تماماً عن قراءة “ما وراء العمل”، وتقف قاصرة عن استيعاب التناقضات التي تُشكل الجمال الحقيقي؛ كأن يجتمع النقص والكمال معاً في مساحة واحدة.


غياب البعد الزمني:


الذوق الإنساني ليس مسحاً سريعاً للبيانات، بل هو تجربة زمنية ممتدة. الآلة لا تفهم معنى المشاهدة المتكررة الصامتة التي تكشف للإنسان بمرور الوقت عن الفروق النفسية الدقيقة والعمق العاطفي الكامن خلف الجمال.




الذوق الخاص:الميزة الخارقة في عصر «الذكالي»

عندما تكون الخيارات الإبداعية لا حدود لها، يصبح معرفة ما يجب اختياره هو كل شيء.

فالذوق الخاص هو من أهم المهارات التي تضمن لك البقاء والتميز عن مستخدمي الذكاء الاصطناعي.


وفي سياق العمل باستخدام هذه الأدوات، يصبح الذوق أكثر تحديداً ودقة من ذلك؛ إنه القدرة الفريدة على النظر إلى 500 نموذج مُعدّل بالذكاء الاصطناعي، والإشارة بثقة نحو النموذج “الصحيح” من بينها.



هذا يعني ببساطة أن تتعامل مع هذه النماذج كـ “مدير إبداعي” يقود العملية الإبداعية، ويقرر ما هو صحيح أو خاطئ، وما يمكن تحسينه أو حذفه. ويتطلب هذا الدور اتخاذ خيارات مدروسة ومبنية على آراء دقيقة في ثلاثة مجالات متداخلة:


الحكم التحريري:

معرفة ما يجب قوله، وما يجب حذفه، والزاوية الفريدة التي يجب اتخاذها، والإطار الذي يخدم الجمهور بصدق.


الحس التصميمي:

إدراك كيف تتوافق العناصر مثل البناء، وترتيب الأفكار، ونبرة الصوت، والشكل البصري مع هوية العلامة التجارية لتبني الثقة والوضوح.


التنسيق والتقييم:

إتقان اختيار المخرجات النهائية التي سيتم عرضها، أو تحسينها، أو التخلص منها دون تردد.



خريطة بناء ذوق خاص رفيع


قد يبدو للوهلة الأولى أن الذوق أمر فطري كالحواس الخمس؛ إما أن نُولد ونحن نمتلكه أو لا. ولكن الحقيقة هي أننا نستطيع صقله بطريقة غير مرئية، كخيط رفيع يربط خياراتنا عبر مختلف جوانب الحياة، ويُشكل طريقتنا الخاصة لفهم المشاريع وتطويرها على مر الأعوام.


إليك الخطوات العملية لبناء هذا الذوق:


1. التفكير النقدي:


تساءل دائماً عن أسرار لوحة فنية شهيرة؛ ابحث عن سياقها التاريخي، وتأمّل التجربة الشعورية التي تنبثق منها. حلل أسباب نجاح فيلمٍ ما، أو ناقش مقالاً أعجبك، أو تصميماً استوقفك؛ لتكتشف في النهاية ذلك السر الخفي الذي يمنحه التميز


2. التعرض المستمر والعميق


لتطوير ذوق خاص في مجال ما، عليك أن تتعرض له بشكل متكرر ومكثف.

على سبيل المثال، هل حاسة التذوق العادية لدينا تشبه تلك التي يمتلكها طاهٍ محترف تذوق آلاف النكهات، ويميز من اللحظة الأولى الفروق الدقيقة في المكونات؟ بالطبع لا؛ فالذوق حاسة لا تُصقل و تتشكل إلا بالتعرض المستمر.

كما يُمكن تدريب الذات على هذا المفهوم في جميع المجالات؛ إن أردت أن تصبح مخرجاً بنظرة فريدة مثل “هيتشكوك”، فشاهد الكثير من أفلامه، وادرس الأعمال التي شكّلت رؤيته السينمائية، ثم انتقدها وحللها.


والأمر ذاته ينطبق على التألق في مجال الكتابة الروائية، من المهم قراءة كل ما تقع عليه يداك من روايات؛ الجيد والسيء منها، وابحث عن الكتب التي شكلت وعي كُتَّابك المفضلين، ومن ثم انطلق لتكتب بأسلوبك الخاص.


3. بناء مكتبة الذوق الخاصة بك


ابدأ بحفظ العناوين الرئيسية، والصور، والنصوص، وحتى المقاطع الموسيقية التي تعكس شخصيتك وتلمس روحك. بمرور الوقت، ستلاحظ ظهور أنماط تتكرر؛ هذا هو أسلوبك الخاص وهو يتشكل ويتطور ببطء.


4. الحصول على آراء أهل الاختصاص


اعرض أعمالك على من تثق بفهمهم، واسألهم بوضوح: ما الذي يبدو غير صحيح هنا؟ ما الذي تنصح بحذفه؟ كيف يمكن تحسينه؟


5. حافظ على فضولك


الذوق كائن حي ينمو ويتنفس؛ لذا استمر في تغذيته يومياً بمعلومات، وأفكار، وتأملات جديدة، ولا تتوقف عن البحث عن الإنسان خلف كل هذا الضجيج.



في عالم يغرق بالإمكانيات اللامحدودة، تذكر أنّ حاسة الذوق هي أثمن ما تملك؛ فهي صفة إنسانية لا يمكن أتمتتها أبداً، وتتأثر بالثقافة وتتشكل بالتجربة.


إنها الخلاصة لتراكم تجاربك، والتي تتحول بمرور الوقت إلى بوصلة داخلية تُحركك نحو اختيار ما هو صحيح تبعاً للمعايير التي كونتها.


وعندما تمتلك الشجاعة للثقة بذوقك الخاص، سيتحول «الذكالي» إلى محفزٍ ثقافي يساعدك على تطوير المدى الجمالي الذي تمتلكه بالفعل.



– أنتهى – 

 
 
 

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating

RADTV

bottom of page