التحرش جريمة لا مبرر لها
رغم ما يتباهى به العالم من تقدم وتحضر وترسيخٍ للأمن والأمان، تأتي جرائم التحرش لتنزع ذلك الوجه الملائكي عن العالم، فتسلب الكثير من النساء والأطفال شعورهم بالأمان والحرية، وهما من أبسط حقوق الإنسان. تنتهك براءة الأطفال وكرامة النساء، وتجعل حياتهم كابوسًا لا يقتصر على لحظة الاعتداء، بل قد يلازمهم لسنواتٍ طويلة. وهذا ما يجعل مواجهة هذه الجريمة مسؤولية لا تقع على عاتق الضحية وحدها، بل على المجتمع بأسره. وقبل أن نتحدث عن هذه الجريمة، دعونا نتعرف إلى مفهوم التحرش، فهناك من يجهل معناه، وهناك من يظن أنه يقتصر على الاعتداءات الجسدية، بينما هو أوسع من ذلك بكثير. التحرش: هو أي سلوك أو فعل أو قول غير مُرحَّب به، يحمل طابعًا جنسيًا أو نفسيًا أو لفظيًا، بقصد الإساءة أو الإذلال أو الترهيب، ويُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان وكرامته.

"أرقام صادمة عن التحرش في مصر" وفقًا للدراسة التي أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2013 بالتعاون مع جهات حكومية مصرية جاءت التقارير صادمة حيث أثبتت أن: ٪99.3 من النساء اللاتي شملتهن الدراسة تعرضن لشكل من أشكال التحرش. كما تعرضت 96.5٪ من الضحايا للتحرش باللمس المباشر. بينما امتنعت 93.1٪ من الضحايا عن الإبلاغ. كما أفادت الدراسة أن 49.2٪ من الضحايا يتعرضن للتحرش يوميًا.
فيما حاولت 8٪ من الضحايا الانتحار نتيجة تعرضهن للتحرش. كما أشارت الدراسة إلى أن: ٪96 من النساء بين 18 و24 تعرضن للتحرش. ٪97 من النساء بين 35 و39 تعرضن للتحرش. ٪72 من النساء بين 40 و45 تعرضن للتحرش. كما أكدت الدراسة أيضًا أن: ٪25.8 من المتحرشين يقومون به كأمر اعتيادي.
٪24.7 من المتحرشين يقومون به للاستمتاع. وعلى الرغم من أن هذه الإحصائيات منذ عام 2013 إلا أن قضايا التحرش لا تزال تتصدر الرأي العام في مصر مع استمرار ظهور وقائع جديدة وهذا ما يؤكد أن هذه الظاهرة لم تختفِ بعد، وأنها لا تزال تمثل تحديًا يستوجب مزيدًا من الوعي والمواجهة. لم يعد التحرش ينحصر في الاعتداء الجسدي فقط بل أصبح هناك أنواع عديدة للتحرش مثل:
1- التحرش اللفظي "الجنسي": يتضمن التعليقات غير اللائقة، والنكات الجنسية، والإهانات، والنداءات المزعجة أو التهديدات.
2- التحرش الجسدي: يشمل أي ملامسة أو اقتراب جسدي غير مرغوب فيه أو اعتداء.
3- التحرش البصري: يتمثل في التحديق بشكل غير لائق أو إيماءات الوجه ذات الإيحاءات الجنسية.
4- التحرش الإلكتروني: الذي ظهر مع تطور التكنولوجيا، ويحدث عبر منصات التواصل الاجتماعي والرسائل النصية والإنترنت من خلال إرسال صور أو عبارات مسيئة.
وتتعدد أسباب التحرش لتتمثل في:
1- ثقافة المجتمع: بعض المجتمعات تسمح أو تتسامح مع السلوكيات المسيئة بسبب تقبلها أو ضعف الوعي.
2- ضعف القوانين وتطبيقها: غياب العقوبات الرادعة أو عدم تطبيق القوانين بصرامة.
3- العوامل النفسية: شعور البعض بالقوة أو الرغبة في السيطرة.
4- التنشئة الاجتماعية: نقص التربية الصحيحة في احترام الآخرين.
5- إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: حيث تُستغل بعض المنصات في إرسال رسائل أو صور أو تعليقات مسيئة، مع اعتقاد البعض بصعوبة ملاحقتهم قانونيًا. ومن المؤكد أن تلك القضية تترتب عليها عواقب جسيمة على الضحية بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام.
"أضرار التحرش على الضحية" أضرار نفسية: مثل القلق، الاكتئاب، اضطراب النوم، انخفاض الثقة بالنفس، وقد تصل تلك الأضرار إلى الانتحار. أضرار جسدية: قد تشمل إصابات أو أمراض مرتبطة بالعنف. التأثير الاجتماعي: عزلة، فقدان الثقة بالآخرين، التأثر بالعلاقات الاجتماعية. الأداء الدراسي أو المهني: تدني الأداء بسبب التوتر النفسي. "أضرار التحرش على المجتمع" انعدام الأمان: يؤدي إلى بيئة غير آمنة ومتوترة. تقليل الإنتاجية: ضعف الأداء في العمل والدراسة. زيادة معدلات العنف والجريمة: إذ يسهم التساهل مع المتحرش في انتشار سلوكيات إجرامية أخرى. "نظرة المجتمع إلى الضحية" ووسط كل تلك الوحشية أصبحت الضحية في نظر المجتمع هي الملامة، فغالبًا ما تُلام بسبب ملابسها أو طريقة حديثها أو خروجها، وكأن الجريمة لها مبرر، لكن هل الأطفال أيضًا كانوا ضحايا للتحرش بسبب ملابسهم أم طريقة حديثهم أم أجسادهم البريئة هي أيضًا من أيقظت شهوة تلك الذئاب؟ لم يعد التحرش يقتصر على النساء فقط بل امتدت آثاره لتقطف أعمارًا بريئة لم تعِ شيئًا بعد عن الحياة وقسوتها، ولم يعد المعتدي شخصًا بالغًا فحسب بل أصبح المجرمون أيضًا من المراهقين الذين كانوا من المفترض أنهم أطفال، مما يؤكد أن التحرش سلوك منحرف اعتاد عليه أصحابه، ولا يفرق بين شكل الضحية أو جنسها أو عمرها، ومن أبرز تلك القضايا قضية الطفلة أيسل. في السابع عشر من أغسطس عام 2023 شهدت إحدى القرى السياحية بمدينة العين السخنة واقعة مأساوية راحت ضحيتها الطفلة أيسل عمرو، ذات الأعوام السبع، بعد تعرضها لاعتداء ارتكبه متهم كان حدثًا لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره آنذاك. وقد أعادت هذه القضية للأذهان حقيقة مؤلمة، وهي أن جرائم التحرش والاعتداء الجنسي لم تعد ترتبط بسبب معين أو فئة عمرية محددة، بل باتت سلوكًا منحرفًا قد يصدر عن أشخاص في أعمار مختلفة، الأمر الذي يستوجب تعزيز الوعي المجتمعي، وغرس القيم السليمة، وتشديد الرقابة، إلى جانب تطبيق القوانين الرادعة لحماية الأطفال والمجتمع بأسره. "دور الدولة في التصدي للتحرش" وفي إطار مواجهة هذه الظاهرة، أصدر المشرع المصري القانون رقم 141 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، بهدف تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم التحرش. وقد نص القانون على الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على أربع سنوات، وغرامة تتراوح بين 100 ألف و200 ألف جنيه.
وتُشدد العقوبة لتصل إلى السجن مدة لا تقل عن سبع سنوات إذا كان الجاني له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه، أو مارس عليه ضغطًا، أو ارتكب الجريمة أكثر من شخص، أو كان أحدهم يحمل سلاحًا. ومهما بلغت صرامة القوانين، فإن القضاء على التحرش لن يتحقق إلا بتكاتف جهود الدولة والمجتمع والأفراد، فلكل طرف دور أساسي في حماية الضحايا والحد من انتشار هذه الجريمة. "كيفية التصدي للتحرش" على المستوى الفردي:
1- التوعية: معرفة الحقوق وطرق التعامل مع التحرش.
2- الرفض الواضح: التعبير بصراحة عن عدم الرغبة في السلوك المسيء.
3- طلب الدعم: من الأسرة، الأصدقاء، أو المختصين.
4- توثيق الحادث: جمع الأدلة مثل الصور، الرسائل، الشهادات. وعلى الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش ألا يلتزمن الصمت، فالإبلاغ عن الجريمة ليس مصدرًا للخجل أو الوصمة الاجتماعية، بل خُطوة ضرورية لحماية النفس ومنع تكرار الأذى بحق أخريات.
ويبدأ ذلك بإخبار شخص موثوق والاحتفاظ بما يتوافر من أدلة، ثم اللجوء إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فالصمت لا يحمي الضحية بينما يفتح الحديث والإبلاغ الطريق إلى العدالة والمساندة. "على المستوى المجتمعي" التوعية المجتمعية: حملات إعلامية وتثقيفية ضد التحرش. إقامة محاضرات في المدارس لتوعية الأطفال عن التحرش، وكيف يتعاملون إن تعرضوا لذلك.
توعية الأهل عن الأعراض التي قد تظهر على أطفالهم إذا تعرضوا للتحرش وتعليمهم الأسلوب الصحيح للتعامل معهم. تدريب العاملين في المدارس وأماكن العمل على التحرش والتعامل معه. خلق بيئة آمنة في المدارس، الجامعات، وأماكن العمل. تطبيق القوانين الرادعة وتشديد العقوبات على مرتكبي جرائم التحرش. في النهاية، فالتحرش ليس قضية شخصٍ فحسب بل هو قضية مجتمع بأكمله، والتصدي له يستوجب التكاتف وعدم التخاذل من الجميع، فالضحية ليست ملامة مهما حدث، فالتحرش جريمة لا مبرر لها. ملك حماده العوضي. #التحرش جريمة لا مبرر لها.







Comments