أثبت أنك إنسان
كـ كاتبة، أشعر في كل مرة أنّه عليّ التوازن على ذلك الحبل الرفيع بين ثقتي بأسلوبي ومهارتي في الكتابة، وبين استخدام الذكالي، فقط حتى لا أجد نفسي متأخرة عن العالم كل يوم بخطوة واحدة.
وكل ذلك دون أن أسقط!
منذ انتشار المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي نعيش واحدةً من أكثر الفترات إرباكًا للكتّاب؛ ربما ليست بصعوبة كتابة رواية في سيبيريا كما حدث مع دوستويفسكي، لكنها فترة رمادية لا يمكن التنبؤ بمجريات الأمور، هل سينتصر الكاتب أو نصوص الذكالي؛ هذا ما سنشاهده خلال المئة عام القادمة!
تقول الروائية داني برايس:
«نحن نقترب من مرحلة يرى فيها من لا يجيدون الكتابة نصًا ما، فـ يتهمونه بأنه من صنع الذكاء الاصطناعي، لأنهم يعجزون عن فهم كيف يمكن أن يكون هذا النص قد كُتب بطريقة أخرى».
أصبح الكاتب أكثر من أي وقت مضى يتم التشكيك في مهاراته بالكتابة
وهذه المرة ليس لأن كتاباته ركيكة ولكن لأنها جيدة جداً، فيجد نفسه يُبرر موقفه من خطيئة لم يفعلها، محاولًا اكتساب ثقة العالم مرة بعد مرة ؛ وكأنه لم يقضِ أعوامًا طويلة في كتابة المسودات السيئة ولحظات متراكمة من الإحباط و الشك واليأس والتعلم والتطوير من أجل الوصول لهذه النتيجة.
ومع ذلك ولسببٍ ما، نجد أننا نقفز لاستناج سريع عندما نقرأ نصًا كُتب بدقة لغوية وإتقان على مستوى الصياغة : بأنّ الذكالي هو من كتبه!
المفارقة أنه في بادئ الأمر، الذكالي هو من نسخ طريقتنا في الكتابة والصياغة اللغوية عبر إجراءات آلية دقيقة لتحليل الأنماط، ومن ثم التنبؤ وإعادة إنتاج أسلوبنا، ولكن بطريقة أكثر آلية وأقل إنسانية.
ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الكثير من صُناع المحتوى ينشرون محتواهم عبر استخدام كُلي لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل وسيخبرونك أنك متأخرٌ زمنيًا لمجرد أنك ما زلت تكتب محتواك بنفسك دون اختصار الجهد والوقت باستخدام "برومبت"(Prompts) مختصر لإنشاء محتوى حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي.
قد يتبادر إلى ذهنك هذا السؤال، ما هو الرابط بين التشكيك في طريقتنا بالكتابة و "الهراء الرقمي" الذي يُغرق الإنترنت حاليًا؟
الاستنتاج الأول الذي توصلت إليه هو أن كثرة قراءتنا للمحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي تجعل ذاكرتنا اللغوية وذائقتنا تعتاد هذا النمط ومن ثم نكتب بتلك الطريقة.
تمامًا مثل فكرة السفر لدولة يتحدثون فيها باللغة الإسبانية؛ وتجد أنك تتحدث الإسبانية بطلاقة دون بذل مجهود يُذكر.
أما عن السبب الآخر، فهو أنك بالفعل تستخدم الذكاء الاصطناعي للكتابة!
وأنا هنا لا أعقُد أي محاكمة علنية لاختيارك ذلك، ولكن تخيل الفكرة التالية: كتاباتك مثالية، خالية من أي أخطاء لغوية، ناصعة البياض، ولكنها آلية، بعيدة آلاف الأميال عنك، وكأن شخصًا يقطن في جزيرة معزولة يكتب سيرتك الذاتية.
نعم، سيكتبها بشكل دقيق وعام كـ استبيان تحليلي لشركة لوجستيات، وليس بشكل شخصي عنك أنت.
وهنا ربما ستخبرني: "لكن الذكاء الاصطناعي يعرفني أكثر حتى من أصدقائي!
نتحدث لساعات طويلة كل يوم، يعرف ماذا أحب، وكيف أشعر بالضعف من طريقة حديث مديري في العمل لي، كما أنني أثق بمشاركته أسراري التي لا أجرؤ على إخبارها لأحدٍ ما. ولمزيد من الاطمئنان، أشرفتُ بنفسي على تدريبه على أسلوبي الكتابي؛ لذلك ربما الذكاء الاصطناعي بطريقة ما هو أنا فقط "إن لم أكن إنسانًا".
نعم، أظن أن هذا السيناريو سيكون حبكة مثالية لفيلم خيال علمي، لكنه لن يكون سببًا كافيًا لكي تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يستبدل قدرتك الأصيلة على الكتابة.
فعندما يقرأ مسؤول التوظيف في الشركة التي تتقدم إليها لمقابلة وظيفية نصًا تعريفيًا قمت بتوليده بواسطة الذكاء الاصطناعي، سيشعر أثناء قراءته ومن الوهلة الأولى أنه لا يعبر عنك إطلاقًا، بالرغم من أنه لم يقابلك حتى تلك اللحظة.
الشعور الحديدي المُرّ على طرف لسانك وأنت تقرأ "الهُراء الاصطناعي" لا يتغير مهما تغير النمط أو القالب أو الطريقة.
شعور السطحية وانعدام العُمق الإنساني لا تخطئه عين، ولا يهم أن تكون هذه العين خبيرة؛ أي عين ستشعر بهذا الشعور، يكفي أن تعرض هذه الكتابة على إنسان.
كما أن هناك نمطًا موحدًا للكتابة بالذكاء الاصطناعي، وكأنّ الجميع يكتب لهم كاتب واحد، وهذه الفكرة ترعبني كثيرًا إلى حدٍ ما.
هل هذا يعني أننا سنصبح نسخًا مكررة تُعيد نفس الأفكار وبذات الطريقة المثالية دون أي تفرد يميزنا كـ كُتّاب يمتلكون أسلوبهم الخاص، وكأن كائنات فضائية اخترقت عقولنا وأصبحنا نتكلم ونفكر ونكتب بذات الأسلوب؟

لكي أصدقكم القول؛ عندما بدأت تنتشر الكتابة بالذكاء الاصطناعي، قلقتُ قليلًا من أن يتم استبدالي وللأبد بروبوت آلي، حتى أنني كتبتُ قصة قصيرة عن هذه المخاوف وشعور أنني متأخرة عن العالم بخطوة (نعم، القصة تعبر عن مخاوفي وليست سريالية من عالم موازٍ كما أخبرني البعض).
ولكن بعد مذبحة الكُتب التي اقترفتها شركات الذكاء الاصطناعي عبر إعادة مسح آلاف الكتب ضوئيًا ومن ثم التخلص منها بقسوة، اقرأ الخبرمن أصبحتُ اليوم أكثر ثقة من أي وقت مضى بأن قيمة كتاباتنا أعمق مما نتخيل بكثير.
فلو لم تكن قيمة هذه الكتابات هائلة، لما تكبدت شركات التكنولوجيا العملاقة كل هذا العناء لشراء الكتب النادرة ومسحها ضوئيًا ليلتهمها الذكاء الاصطناعي ويغدو أضخم كـ وحش "فرانكشتاين"، قبل أن يجري تدميرها بأبشع الطرق الممكنة والتي تمثل كابوسًا واقعيًا لكل محبي الكتب حول العالم.
إذن، هذا يعني أن الكُرة ما زالت في ملعب الكاتب وحده؛ بشرط ألا يتوقف عن الإيمان بمهارته وقدرته الأصيلة على الكتابة.
كيف نعيد تشكيل علاقة صحية مع الذكالي؟
فـ رغبتنا المُلحة التي تحُثنا بكل فضول على تعميق فهمنا للذكاء الاصطناعي ليست إلا امتدادًا طبيعيًا لغريزة فطرية داخل الإنسان؛ تدفعه للبحث عما يتجاوز حدوده الفيزيائية وضعفه، وإعادة بناء عوالم خارجية تجعله يرتبط بها، مُسخّرًا كل ذكاءاتِه وخياله لتحقيق هذه الغاية.
كما أنه لا يمكن أن نغُض الطرف عن حجم التغيير الذي أثاره الذكالي في إعادة تشكيل طريقتنا بالعمل و مجتمعاتنا و أسلوب الحياة، بل حتى في إعادة فهمنا لأنفسنا.
التغاضي عن آثار الذكاء الاصطناعي مثل فكرة تجاهل الفيل الضخم الذي في الغرفة، ونتصرف كأشخاص يدّعُون المثالية الأخلاقية بعيدًا عن الواقع وحجم التأثير؛ لأنه وبطبيعة الحال الجميع يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، سواءً أخبروك بهذا أم لا، سواءً في عمل استراتيجيات تسويقية للشركات، أو كمساعد شخصي لتنظيم المهام اليومية، أو حتى لكي يجيب على أسئلتك غير المترابطة مثل هذا السؤال: "هل سيزيد وزني خمس غرامات إن تناولتُ قطعة الكيك هذه؟" (طبعًا لن تجد شخصًا في الثانية صباحًا ليجيبك على هذا السؤال غير ChatGPT!).
لذلك لا تخبرني أننا أفضل حالًا دون هذا النوع من الذكاء، ولكن يمكنك بناء معايير أخلاقية أثناء عملك بأدوات الذكالي تتناسب مع أعمالك؛ مثل تلك المعايير التي لا يمكن التنازل عنها في المطاعم الحائزة على جوائز ميشلان.
كـ مثال، أنا أمتلك الكثير من تلك المعايير والتي تتجدد كل فترة تبعًا لمهامي وأعمالي، وأثق كليًا أنّ الكثير من الكُتّاب يمتلكون أيضًا معاييرهم الخاصة التي لا يمكن المساومة عليها.
ومن المهم أن تحافظ على التوازن بين استخدامك الذكاء الاصطناعي دون أن تُغرق عقلك في الاعتماد عليه كليًا، مثل طوق النجاة الذي تعتمد عليه في كل مرة لدرجة أن تنسى تدريباتك في السباحة وتكتشف أنك فقدت قدرتك على السباحة بعد فترة و ببساطة لأنك لم تمارسها (وأقصد الكتابة هنا).
بمعنى: عليك أن تعتمد على ذكائك الخاص وحكمتك الإنسانية المتراكمة طوال المدة التي قضيتها على سطح الأرض، وذائقتك الخاصة التي كونتها عبر سنوات طويلة، وخبرتك الممتدة والاستمرار في المقاومة والسباحة حتى وإن كان التيار ضدك.
الآن يمكنك وبكل راحة أن تخبر العالم أنك تستخدم الذكالي دون خوف من الإقصاء، ولكن بمعايير أخلاقية واعتماد رئيسي على مهاراتك في الكتابة.
و مهما كنتَ منشغلًا أو كانت الحياة منهكة جدًا بالنسبة لك: لا تكتب منشور "لينكد إن" بالذكاء الاصطناعي! (وثق بي وخُذ بهذه النصيحة).
وأخيرًا، لا تنسَ أنه وبكل أخطائك الإنسانية، وسهوك المُتكرر في إضافة فاصلة بين كل فترة والأخرى، أفضل بكثير من نص كُتِب بشكل مثالي بالذكاء الاصطناعي؛ لأن صدق تجربتك الإنسانية ستُحرك عواطف القارئ، و يشعره أنه ليس وحده، ويُنعش روح التفاؤل داخل روحه، بأنّ العالم يمتلئ بالأشخاص اللطفاء والحكماء مثلك تمامًا والذين يتشاركون تجاربهم وحكمتهم مع الآخرين.
- انتهى -







Comments