أُلفة وحميمية أن أستطيع احتواءَك
ليس لأنني أريدك، ولا لإعجابي بك، ولا حتى لأنني أحبك.. بل لأنني أرغب وأستطيع احتواءَك، وتبدو هذه الفكرة أعمق وأعذب. فالرغبة سهلة، والإعجاب سريع وبسيط، وحتى الحبّ يتغنى به الناس هنا وهناك بصخب، ثم ينتهي في وقتٍ قصير بدراماتيكية. أما احتواؤك لشخصٍ ما؟ فيعني أن تشهد على الفوضى، وتشعر بثقلها وتتجرّع مرارتها، ومع هذا.. تظلّ صامدًا واقفًا، مشمّر الساعِدَين وتردد: "هات ما عندك.. فإنني لن أبرح!"
ويا لها من أُلفة وطمأنينة أن تُحَبّ، وأن تكون مُصطفىً من بين بقية الناس عندي، لا لجمالك، بل لتعقيدك! نعيش اليوم في عالمٍ يُكافئ المظهر المصقول، والوجوه ذات التقنيات المُحسّنة، والضحكات الناعمة، والصدمات الصغيرة والطفيفة التي تكفي للحديث عنها في هوامش التعليقات.
لقد تأثرنا بفكرة أن نُظهر للعالم نسختنا الأيسر تقبلًا، نسخة "أنا بخير، حقًا"، نسختنا التي لا تُطيل البكاء، وغير المتطلبة عاطفيًا. لذا، عندما يقول لك أحدهم: "أستطيع التعامل معك، وأستطيع احتواءَك"، فهو يعني: أعلم اتساع حدودك المترامية، وأعلم أنك صعب في أحيان كثيرة، ولن تكون سهل التعامل معي دائمًا، بل ولن أطلب منك أن تتخفف من نُسخك وتتقلص أمامي!
ولهذه المشاعر وقعٌ مختلف.. فقد سئمنا من كوننا نسخًا قابلة للاستيعاب والفَهم، وتعبنا من تشذيب أنفسنا حتى لا نُثقل على الآخرين، ومن الاعتذار عن تقلبات مزاجنا ومخاوفنا وتفكيرنا الزائد، وصمتنا وثرثرتنا، وحساسيتنا وعواصفنا، ومن تلهّف أنفسنا لأن نكون "مقبولين".
وتأتي جملة "أستطيع احتواءَك" لترمي بكلّ ما سبق عرض الحائط، وتقول: كن أنت كما أنت دون تبديل، "تحدث معي بلغتك العاطفية الأم، وسأتعلمها من أجل احتواؤك!" إن تكوين البشر لا يشبه تكوين الطبيعة، حيث الأزهار والشمس المُشرقة؛ بل نحن كومة ماضٍ، وأحمال ثقيلة من أعباء ومحفزّات وأنماط شخصية وقوالب ما زلنا نتخلص منها ونحاول نسيانها! نحن نمثل أيامًا جيدة، وأسابيعَ صعبة! مجبورون على المحاولة وقد لا ننجح في ذلك! حينًا نتشافى، وحينًا تنزف جروحنا على من لم يكن السبب!
لكن ماذا لو اختارك أحدهم بكلّ خصالك؟ لا حينما تتعافى ولا عندما تهدأ، ولا حتى عندما "تفهم نفسك" أخيرًا.. بل يختارك الآن كما أنت؟ هذه ليست رومانسية، بل شجاعة وجرأة. إن التعامل مع شخصٍ ما لا يعني السيطرة عليه والتحكم به، ولا حتى إصلاحه وتصحيح تصرفاته، أو تحملهِ كعبء عليك؛ بل أن تملك القوة العاطفية الكافية للبقاء معه عندما تسوء الأمور، وتستمع له دون التحفّز للهروب، وتمنحه مساحة آمنة دون تهميشه، أن تخبره: بأن مشاعرك لا تُفزعني، وماضيك لا يُخيفني، وقسوتك لن تُبعدني عنك.

وعلى الطرف الآخر، أن يثق بك هذا الشخص حدّ أن يُريك جوانب شخصيته لتحتويه وتتعامل معه، وهو ما قد يكون أصعب! فكرة أن يشهد شخصٌ ما على حقيقتك؟ فكرة مرعبة! أن يرى عيوبك وخوفك وغيرتك، وحزنك الذي لا تملك له أي مبررات منطقية، وغضبك الذي يفاجئك أنت قبل أن يفاجئه، بما فيه من ضعف وحزن.. كل هذا الانكشاف يتطلب جرأة وشجاعة لا يصفق لها الناس عادةً.
نتحدث كثيرًا عن رغبتنا في أن نُحَب، لكن ما نريده حقًا هو أن يشهد أحدهم على حقيقتنا التامة، ليس فقط على جانبنا المذهل واللطيف، بل على جانبنا الحقيقي الشفاف الذي يظهر في تفكيرنا المفرط في الثانية صباحًا، أو انغلاقنا العاطفي، أو في الأيام التي بالكاد نعرف فيها أنفسنا، في لحظة التناقضات والهشاشة، وفي لحظات الحدة والقسوة والتعب. أن يتمسّك بنا ويحتوينا من نحب كما نحن، لا كما نتظاهر! ولعلّ هذا ما يجعل الفكرة حميمية، لما تحمل خلفها من ثباتٍ واستقرار.. "لستُ هنا لأجل نسختك السعيدة والراضية.. أنا معك من أجل نُسخك المدفونة في صفحات أيامك التي لن يقرأها الآخرون بلهفةٍ وفضول مثل الروايات الرومانسية."
في الحقيقة، بعض الأشخاص لن يستطيعوا التعامل معك واحتواءَك، وهذا لا يعني أن ثمة خطبًا بك؛ لأن البعض قد يحبونك في خيالهم أكثر مما يحبونك في الواقع.. يحبون ضحكتك ولا يطيقون صمتك، ويعشقون شغفك ولا يحبون أعماقك، وينظرون إليك لحظة قوتك ويتجاهلون لحظات ضعفك. يريدون أن يشاهدوا فيلم لحظاتك الجميلة واللطيفة فقط، وليس الفيلم الوثائقي الكامل عنك! فيرحلون سريعًا عندما يصبح الأمر ثقيلًا، أو ربما يبقون ويطلبون منك أن تتغير، أن تكون أكثر هدوءًا، وأكثر لينًا وسهولة في التعامل.
وشيئًا فشيئًا، تبدأ في تعديل نفسك وتشكيلها؛ تتخفف من هذا الجزء في دواخلك، وترمي ذاك الجزء، وتكسر هذا الجزء، وتتجرد من كل ما يشعرك بأنك غير مناسب أو غير محبوب. ومع مرور الوقت، يعتليك الهدوء فجأةً، وتخفض صوتك، وتتظاهر رغم حزنك بأنك بخير، حتى تصل إلى صباح يومٍ لا تعرف فيه أي نسخةٍ منك هي النسخة الحقيقية!
لمثل هذا تكون عبارة "أستطيع احتواءَك" أعمق من مجرد وعدٍ عابر! بل هي تصريح واضح عن استعدادٍ وجاهزيةٍ عاطفية، كقول أحدهم: "لديّ القدرة والصبر والنضج الكافيون لأراك كإنسانٍ كامل، لا كنسخةٍ خيالية تعجب الجميع."
لسنا بحاجة لمن يلتفت لنا ويُظهر لنا الحبّ وقت فراغه، أو أن يختارنا في أيام نكون بها أكثر خفةً وسعادة، ويختفي حال رؤيتنا مُثقلين. يحق لنا أن نكون بصُحبة أشخاص لا يختلط عليهم مزاجنا الدرامي وحقيقتنا العميقة، ولا يرون حساسيتنا ضعفًا، أو يحكمون على متطلباتنا العاطفية بالكثرة والمبالغة، أن نكون بصحبة من يفهم أن الحقيقة البشرية ليست مثالية، ولا تعني أن نكون دائمًا في أحسن الأحوال!
وربما، فقط ربما، ليس الشعور بالرغبة أو المطاردة أو الإعجاب هو أسمى درجات الحميمية، بل ربما هو الشعور الذي يُراودك حين ترى شريكك في فوضى وتختاره رغم ذلك. وأسمى مراحل الحميمية ليست في إظهار الرغبة والسعي نحوك والإعجاب بك، بل في أن يختارك أحدهم رغمًا عن فوضاك التي صرفتك عن مفهوم الكمال وأهدتك أن تكون حقيقيًا.
لذا عندما يخبرك من يحبك: "أستطيع التعامل معك قولًا وفعلًا" فهذه ليست مجرد عاطفة، بل تقبّل مقرون بالثبات، وحُبّ متين لا تزعزعه التحديات، بل يبني العلاقة يومًا بعد آخر. وفي عالمٍ يُلحّ علينا أن نُقلّص من حقيقتنا، وأن نتشكل لنصبح أكثر رقةً وسهولة في التعامل، ونتخلى عن ضجيجنا الداخلي بالهدوء والصمت.. قد يكون احتواؤنا بصدق ومحبة خالصة دون الحاجة لتبرير أنفسنا والاعتذار عن حقيقتنا مرارًا.. هو أسمى أنواع الحميمية.







مقالة رائعة، فكرةً وصياغة وترجمة.